الأحد، 20 يوليو 2014

ميراث المرأة في الإسلام والرد عن الشبهات المثارة حولها

من إنجاز: 
أسيا أيت علي 
طالبة باحثة في سلك الدكتوراه، مركز الأسرة والطفل 
بجامعة الحسن الأول – سطات -



مقدمـة
 
اختار الله تعالى مكة لتكون منطلقا مكانيا لآخر رسالة سماوية إلى العالم، وكان للمجتمع المكي وما يحيط به من جزيرة العرب، أوضاع دينية واجتماعية وسياسية معروفة في كتب التاريخ والسيرة.
فلما جاء الإسلام انتقد كثيرا من تلك الأوضاع والأحوال، قصد إصلاح المجتمع وتطهيره من الشرك والوثنية والرذيلة، ليحل محلها التوحيد والإيمان والفضيلة.
وكان مما دخل في ذلك الإنتقاد، زجره عن الممارسات التعسفية التي يمارسها أهل الجاهلية على المرأة وانتقاده الشديد للفكر المشين الذي كان وراء تلك الممارسات، ومن ذلك حرمانها من الإرث، فلم تكن المرأة ترث لكونها تورث في جملة التركة، والذي يورث لا يرث، بل لا إرث له ولا ملك، ومعلوم أن العرب في جاهليتهم قبل الإسلام كانوا لا يرون المرأة أهلا للإرث من أقاربها، لأنها لا تحمل سيفا، ولا تدافع عن قبيلة، ولا تغزو، ولا تحوز الغنائم، وخشوا على المال أن ينتقل إلى الغريب إن هي تزوجته، فحرموها الإرث والمهر والوصية، وأكلوا مالها ظلما وعدوانا حتى أشرقت شمس الإسلام لتُزيل غياهب ظلام الجاهلية وتثبت حق المرأة في الإرث أمًّا كانت أو زوجةً أو أختاً أو بنتاً، فأنزل الله تعالى قوله الكريم" لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا[1] "، ولم تزل القوانين الحديثة إلى الآن في الدول العظمى قاصرة كل القصور عن تنظيم أحوال الميراث فيها كما نظمها الدِّين الإسلامي الحكيم، وكثيرا ما يلجأ أهل الأديان الأخرى إلى تطبيق نظم الميراث الإسلامي والأخذ بها تنظيما لحياتهم، وفي هذا الإطار كان لابد من عقد مقارنة بين وضعية الأنثى المسلمة ووضعية غيرها من الإناث عند غير المسلمين، ففي الديانات السابقة على الإسلام ومنها اليهودية لا تجعل للأنثى شيئا إطلاقا، أو تحجبها عن الإرث إذا كان لها إخوة ذكور، ففي الثوراة، الإصحاح: 21 من سفر التكوين: "إذا كان للمتوفى ورثة من الذكور فلا ميراث للبنت"، وفي أكثر البلاد المسيحية تحرم البنت من الميراث إلا إذا أوصى لها أبوها بشيء قبل وفاته[2].
ويكتسي هذا الموضوع أهمية خاصة وعناية متميزة، وذلك نظرا لما أثير حوله من شبهات كان القصد منها تشويه صورة الإسلام ودفع الحق الذي جاء به، وادعائهم في هضم حقها حين فرض لها نصف ما فرض للذكر وينِمُّ ذلك عن جهل بأحكام الشريعة الإسلامية لا غير، مع العلم أن هنالك حالات تتساوى فيها الأنثى مع الذكر، بل وحالات ترث فيها أكثر من الذكر، وأخرى ترث فيها دون الذكر، كما أن آية المواريث قد نزلت بسبب سؤال أنثى عن حظ ابنتيها من ميراث والدهما بعدما استحوذ عمهما على التركة كلها حسبما يخوله له التقليد الجاهلي، فضلا عن ذلك فقد تولى المولى عز وجل قسمة أموال التركات بنفسه، ولم يكل قسمة الأموال إلى اختيار الناس أو اجتهاداتهم التي قد تتأثر بعوامل شتى تجعل كل مجتهد ينظر إلى هذا الأمر من زاوية معينة أو من أخرى.
فما هي الشبهات المثارة حول نصيب المرأة من الميراث؟  وكيف تم الرد عليها؟
ولدراسة هذه التساؤلات التي تتداخل فيما بينها لإعطاء رؤية واضحة لإشكالية الموضوع، سنقسم هذا الأخير إلى مبحثين:
المبحث الأول: ميراث المرأة في الكتاب والسنة
المبحث الثاني: شبهة حول ميراث المرأة والرد عليها
 
 
المبحث الأول: ميراث المرأة في الكتاب والسنة

قبل الشروع في سرد الشبهات المثارة حول نقصان حظ المرأة من تركة موروثها ودحضها، كان لابد من تحديد الأدلة على وجوب توريث النساء، ومن ذلك ما أقرته آيات القرآن الكريم (المطلب الأول(، وكذا الأحاديث النبوية الشريفة )المطلب الثاني(.

المطلب الأول: أدلة ميراث المرأة من الكتاب

1/ قال تعالى " لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا"[3].
وقد أثبت الله حق النساء في الميراث، وأكده من عدة نواحِ:
أـ أفرد سبحانه وتعالى ذكر النساء بعد ذكر الرجال، ولم يقل للرجال والنساء نصيب، لئلا يستهان بأصالتهن في هذا الحكم، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم التوريث.
ب ـ قوله تعالى:" مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا" فليس أدل من ذلك على أن حق المرأة في الإرث ثابت، ولو من القليل التافه الذي يخلفه الميت، مما لا يدفع مجالا للشك أو الريب أو التهرب من إعطاء المرأة ما تستحقه بعطاء الله لها.
ج ـ قوله:" نَصِيبًا مَفْرُوضًا" فبالرغم من أن ذكر نصيب المرأة جاء في أول الآية وللنساء نصيب، إلا أن الله تعالى كرر ذكر هذا النصيب مع توكيده بكلمة "مفروضاً" لإزالة أي لبس، ولإثباث هذا الحق ثبوتا قطعيا[4].
2/ أثبت القرآن حق الأم في الإرث فقال عز من قائل سبحانه: " فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ"[5]
3/ وأثبت حق الزوجة، فقال سبحانه:" وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ"[6].
4/ وأثبت حق البنت، فقال سبحانه:" يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا ترَك "[7].
5/ وأثبت حق الأخت، فقال سبحانه:" وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ"[8]، وقال: " يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[9]".

المطلب الثاني: أدلة ميراث المرأة من السنة

1/ أخرج البخاري[10] من طريق عطاء، عن ابن عباس قال: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع.
2/ أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الفرائض/ باب: ميراث البنات ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص قال: مرضت بمكة مرضا أشفيت منه على الموت، فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني، فقلت: يا رسول الله إن لي مالا كثيرا، وليست ترثني إلا ابنتي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا, قال فالشطر.قال: "لا" قلت: الثلث؟ قال: "الثلث كثير، إنك إن تركت ولدك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة إلا أجرت عليها حتى اللقمة ترفعها إلى امرأتك" الحديث واللفظ للبخاري.
  • وأخرج البخاري ـ أيضاـ في ميراث البنات من طريق الأسود بن يزيد قال: أتانا معاذ بن جبل باليمن معلماً وأميراً، فسألناه عن رجل توفي، وترك ابنته وأخته، فأعطى الإبنة النصف، والأخت النصف.
3/ أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الفرائض، باب: ميراث ابنة ابن مع ابنة وباب: ميراث الأخوات مع البنات عصبة من طريق هزيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى عن بنت وابنة ابن وأخت، فقال: [ للبنت النصف، وللأخت النصف، وائت ابن مسعود فسيتابعني]، فسئل ابن مسعود، وأخبر بقول أبي موسى فقال: [ لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم: للإبنة النصف، ولابنة الإبن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت ] ، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: [لا تسألوني ما دام هذا الحَبر فيكم]. واللفظ في الموضع الأول من البخاري.
4/ أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الفرائض/ باب: ميراث الأخوات والإخوة ومسلم في صحيحه في كتاب الفرائض/ باب: ميراث الكلالة من طريق محمد بن المنكدر قال: سمعت جابراً قال: دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا مريض، فدعا بوضوء فتوضأ، ثم نضح عليَّ من وضوئه، قال فأفقت، فقلت: يا رسول الله، إنّماَ لي أخواتٍ، فنزلت آية الفرائض. ولفظ مسلم: حتى نزلت آية الميراث" يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ".
5/ أخرج أبو داود في السنن، وابن ماجة في السنن، والترمذي في السنن، والدارقطني في السنن، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في الكبرى، من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: جاءت امرأة سعد ابن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالاً، ولا تنكحان إلا ولهما مال. قال: "يقضي الله في ذلك" فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما، فقال:"اعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك".
قال الترمذي: هذا حديث صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن محمد ابن عقيل. وقال الحكيم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. وإسناده حسن، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل مختلف فيه، والراجح أنه حسن الحديث إذا لم يخالف[11] ولم يخالف هنا. وحسنه الألباني في الإرواء.
6/ أخرج عبد الرزاق في مصنفه وابن أبي شيبة في مصنفه وأحمد في المسند وأبو داود في السنن، وابن ماجة في السنن، والترمذي في السنن، وابن الجارود في المنتقى، والطبراني في الكبير، والبيهقي في الكبرى، والمقدسي في المختارة من طرق عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: مَا أَرَى الدِّيَةَ إِلا لِلْعُصْبَةِ ؛ لأَنَّهُمْ يَعْقِلُونَ عَنْهُ ، فَهَلْ سَمِعَ أَحْدٌ مِنْكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا ؟فَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ الْكِلابِيُّ ، وَكَانَ اسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الأَعْرَابِ: كَتَبَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا ، فَأَخَذَ بِذَلِكَ عُمَربنُ الخطَّاب. واللفظ لأحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
قال الترمذي: حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم.
وقال المقدسي في المختارة: إسناده صحيح.
وبوّب عليه أبو داود: باب المرأة ترث من دية زوجها.
7/ أخرج البخاري في صحيحه في كتاب التفسير/ باب: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ"[12] من طريق عكرمة، عن بن عباس قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بإمرأته إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها،فهم أحق بها من أهلها فنزلت الآية.
وهذه من بين الأحاديث النبوية الشريفة التي تثبت حق المرأة في الإرث، فلا زالت كتب السنة مليئة بأقوال رسولنا الكريم وأحكامه في إثبات حقها.
 
 
المبحث الثاني: شبهة حول ميراث المرأة والرد عليها

إن من أبرز ما أثير حول الإسلام من شبهات هو ما يتعلق بقضايا المرأة المسلمة من أحكام وتشريعات، فكانت هنالك محاولات للتشكيك في عدالة هذه التشريعات، وأنها ليست سوى ضحية من ضحاياها، وذلك بسبب ما حل بها من حيف وظلم وغبن في نصيبها من متروك موروثها، وهذا ما سنتناوله في )المطلب الأول(، على أن نترك دحض شبهة نقصان حضها من التركة في )المطلب الثاني(.

المطلب الأول: شبهة حول نصيب المرأة من الميراث

لقد جاء في تقرير المؤتمر العالمي لعقد الأمم المتحدة للمرأة: المساواة والتنمية والسلم/ كوبنهاجن سنة 1980: "ينبغي دراسة كل ما تبقى من أحكام تشريعية تمييزية في المجالات الإجتماعية والإقتصادية، والسياسية، وفي قانون العقوبات، والقانون المدني، بغية إبطال جميع القوانين والأنظمة التي تميز ضد المرأة، فيما يتصل بالحقوق المتعلقة بالجنسية، والإرث، وحيازة الأملاك والتحكم فيها..." إلخ[13].
كما أن المطلع على توصيات المؤتمرات العالمية للمرأة[14] يقف على المطالبة بمساواة المرأة بالرجل في حق الميراث، ويعتبر عدم المساواة من باب التمييز ضدها، مما جعل بعضا من الدول الإسلامية المشاركة في هذه المؤتمرات وغير المشاركة تعترض على هذه الإجراءات والتوصيات، وتبين أن هذا من الأحكام الشرعية القطعية التي لا تقبل الأخذ والرد، ومن الدول المعترضة: ليبيا، ومصر،و وإيران، وموريتانيا، والمغرب، وتونس في كل من المؤتمر الدولي للسكان والتنمية في القاهرة: 1994م، والمؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة ببكين: 1995م.
خصوصا وأن مثيري هذه الشبهة، اتهموا الشريعة الإسلامية بأنها ظلمت المرأة حين لم تسو بينها وبين الرجل في حقها في الإرث ومنشأ ضلالهم كونهم جعلوا آية "لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ"[15]، "مبدأ عاماً وقاعدة مستمرة في كل توارث فيه ذكور وإناث، في حين أن الآية إنما رسمت هذا الحكم في التركة التي يجتمع فيها كل من الأبناء مع البنات وذلك بقوله تعالى"يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ" ، والإخوة مع الأخوات[16] بقوله عز وجل" وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَيْنِ "[17]، دون غيرهم وللورثة الآخرين ذكورا وإناثاً أحكامهم الواضحة الخاصة بهم، ونصيب الذكور والإناث واحد في أكثر هذه الأحكام.
وهنالك من يرجع الحكمة من جعل نصيب المرأة على النصف من نصيب الرجل، في كونه المكلف بالإنفاق على زوجته وأولاده وهو الملتزم بأعباء الأسرة من الناحية المالية بينما  تتزوج البنت فتأخذ مهرها ويلتزم زوجها بسكناها ونفقتها ونفقة أولادها من غير أن يكلفها إنفاق فلس واحد، فقد قال الإمام النووي رحمه الله في بيان الحكمة من تفضيل الرجال على النساء في الإرث: "حكمته أن الرجال تلحقهم مؤن كثيرة في القيام على العيال والضيفان والأرقاء والقاصدين ومواساة السائلين وتحمل الغرامات وغير ذلك والله أعلم."[18]
وقال الشنقيطي: "الحكمة في تفضيل الذكر عن الأنثى في هذه الآية أي قوله تعالى:"لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ" وهي ما أشار إليه في آية أخرى، بقوله تعالى: " الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ "[19] لأن القائم على غيره، المنفق ماله عليه مترقب للنقص دائماً، والمقوم عليه المنفق عليه المال مترقب للزيادة دائماً، والحكمة في إيثار مترقب النقص على مترقب الزيادة جبرا لنقصه المترقب ظاهرة جداَّ".[20]
ولكن المرأة اليوم أصبحت تعمل كما يعمل الرجل، وتنفق كما ينفق، ووجه إعطاء المرأة ما تعطى من الميراث هو أن يكون لها مال تنفق منه على نفسها إذا لم يتح لها الزواج أو العمل أو مات زوجها ولم يترك لها ما يقوم بأودها.
فإذا ما أخذنا بهذه التعليلات سنكون قد ظلمنا الرجل بالأساس، فالحكمة من فرض نفقة الزوجية والدار والأولاد على الرجل ليس ظلما له، وتفضيلا للمرأة عليه في المعيشة، والحكمة من جعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل )الإبن مع البنت و الأخ الشقيق أو لأب مع الأخت الشقيقة أو لأب( لم يكن ظلما للمرأة وإنصافا للرجل، فحظ الأنثى من الإرث في ظل الإسلام قد يكون أحيانا أوفر من حظ الذكر، وأن الفرص التي تتاح لها أكثر من التي تتاح لكثير من أقاربها الذكور، فدرجة القرابة بين الوارث ـ ذكرا أم أنثى ـ وبين المورث ـ المتوفى ـ  تلعب دورا مهما في هذه المسألة فكلما اقتربت الصلة زاد النصيب في الميراث، وكلما بعدت الصلة قل النصيب في الميراث دون ما اعتبار لجنس الوارثين.

المطلب الثاني: دحض شبهة نقصان حظ المرأة من التركة

لا بد من الإستناد إلى عدة أدلة، واستحضار عدة حقائق لدحض شبهة نقصان حظ الأنثى المسلمة من تركة موروثها، ورد زعم ظلمها في ميراثها، ومن أبرز هذه الحقائق وأجلاها:
الحقيقة الأولى: أن هنالك فرقا بين الإرث بالفرض والإرث بالتعصيب، فالميراث بالفرض هو أخذ الوارث قدرا محددا ونصيبا مفروضا له في تركة موروثه من غير انتظار لأحد، ولما عسى أن يفضل عنه.
أما الإرث بالتعصيب فهو انتظار أصحاب الفروض حتى ياخذ كل منهم ما فرضه له الشارع الحكيم، فالعاصب إما أن يرث الكل إذا انعدم أصحاب الفروض، وإما أن يأخذ ما فضل عنهم بعد أخذ كل منهم فرضه، وإما أن يحرم من التركة كلها إذا لم يفضل عن أصحاب الفروض شيء فالعاصب مهدد بأصحاب الفروض وليس صاحب الفرض مهددا بأحد قد يضعف نصيبه أو يحرمه بالكلية من الإرث.
الحقيقة الثانية: أن الشارع حافظ على ميراث الإناث أيما محافظة، حيث جعل لهن نصيبا مفروضا، ولم يكلهن لانتظار ما قد يفضل عن ميراث ذوي الفروض، وإذا كان عدد الوارثات من النساء عشرة فالوارثات منهن بالفرض تسعة وهو ما يمثل نسبة 90% منهن.
الحقيقة الثالثة: أن عدد الوارثين من الذكور خمسة عشر[21]، الوارثون منهم بالفرض فقط إثنان وهو ما يمثل نسبة 13,33% فقط، ومن خلال المقارنة بين الطريقين لإرث الإناث وإرث الذكور يتبين وفور حظ الإناث في الميراث، وأن الفرص التي تتاح لهن أكثر.
الحقيقة الرابعة: أن المرأة ترث نصف ما يرث الرجل في بعض أحوال إرثها، تمثل عند إحصائها نسبة 16,33% فقط، أما في باقي أحوالها فهي إما أن ترث مثل ما يرث الذكر،أو ترث أكثر مما يرث، هذا فضلا عن كونه في أغلب أحوال إرثه عاصبا منتظرا، وهي في أغلب أحوال إرثها نأخذ نصيبها فرضا من غير انتظار لما قد يفضل عن أصحاب الفروض كما سلفت الإشارة إليه,
الحقيقة الخامسة: أن الأنثى ترث أحيانا مثل ما يرث الذكر كما في حالة ميراث الأب والأم من فرع ذكر، وكذا الجد والجدة من فرع ذكر، وكذا الإخوة لأم، وقد يحسب معهم الأشقاء بمنزلة الإخوة لأم في مسألة المشتركة، فتطبق عليهم جميعا قاعدة التسوية بين الذكر والأنثى.
قال الله تعالى: "ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد"[22]، وقال عز وجل: "وإن كان له رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك، فهم شركاء في الثلث."[23]
ولا فرق بين الذكر والأنثى وهو مستفاد من قوله تعالى: "فهم شركاء في الثلث".
الحقيقة السادسة: أن الأنثى ترث أحيانا أضعاف ما يرث الرجل، فلو اجتمعت أخت شقيقة ومائة من الإخوة لأب، فإن الأنثى ترث مثل حظ مائة ذكر حيث تصح المسألة من مائتين تأخذ الأخت الشقيقة مائة، ويأخذ كل أخ لأب سهما واحدا فقط.
وكذا البنت مع الإخوة الأشقاء أو مع الإخوة لأب، أو الأعمام أو أبناء الأعمام، أو أبناء الإخوة، أو أبناء الأبناء الذين ماتوا قبل والدهم، فإن الأنثى في هذه الحالة ترث نصف التركة فرضا إذا انفردت، وترث الثلثين من مجموع التركة فرضا إذا تعددت، ويقسم النصف أو الثلث الباقي بين سائر الذكور ولو كانوا خمسين أو مائة، فقد ترث الأنثى مثل حظ خمسين أو مائة من الذكور، فريضة من الله.
أمثلة للحالات التي قد يكون فيها حظ الأنثى أوفر من حظ الذكر: قد تكون الأنثى أوفر حظاًّ وأسعد بالميراث من الذكر، وقد ترث هي ويحرم أخوها لو كان مكانها، وهما في مرتبة واحدة في الإرث لحكمة لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى:
هلكت هالكة وتركت زوجا وأما وأبا وبنتاً، فتصبح المسألة من إثني عشر سهما وتعول إلى ثلاث عشر، يأخذ الزوج الربع وهو ثلاثة، وللأم السدس وهو اثنان، وللأب مثلها، وتأخذ البنت ستة أسهم من ثلاثة عشر سهماً، فلو كان مكان البنت أخوها لورث بالتعصيب فإنه سيأخذ خمسة من إثني عشر سهما، وبعد توحيد المخارج في الفريضتين يكون نصيب 13/6 = 156/72 ونصيب أخيها إذا جعل مكانها 12/5 = 156/65 فقط، وقد ترث الأنثى ويحرم أخوها لو كان محلها كما في المثال الآتي:
زوجا، أختا شقيقة، أختا لأب، فتصبح المسألة من ستة وتعول إلى سبعة، يأخذ الزوج ثلاثة، وتأخذ الشقيقة ثلاثة، والأخت لأب تأخذ واحدا، فلو كان مكان الأخت لأب لم يرث شيئأً، وتصح المسألة من إثنين فقط، يأخذ الزوج النصف وهو واحد، وتأخذ الشقيقة النصف وهو واحد، فلا يبقى شيء للأخ لأب، والسبب في كون الأخت للأب ورثت، والأخ للأب لم يرث شيئاً، أن الأولى ورثت بالفرض، وأن الثاني ورث بالتعصيب فلم يفضل له عن أصحاب الفروض شيء محرم.
ومن هنا يتجلى الفرق بين الإرث بالفرض والإرث بالتعصيب.
والأمثلة من هذا النوع كثيرة جدا يرجع من رام الوقوف على تفصيلها إلى كتب أهل الإختصاص، الأمر الذي يستيقن معه بأن حظ الأنثى في الإرث إجمالا أوفر من حظ قريبها الذكر في كثير من الحالات.
ونظرا للحقوق المالية التي كفلها الإسلام للمرأة في ظله، جعلت منصفي الغرب يرونه نموذجا حريا أن يقتدي به، ولا غرو فإن مشرعه هو الله: " أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ "[24] ومن أقوالهم في ذلك:
  • قالت أني بيزنت مؤلفة كتاب " الأديان المنتشرة في الهند": "ما أكبر خطأ العالم في تقدير نظريات النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالنساء" وبعد أن سردت كثيراً من الآيات التي تحث على رعاية المرأة وإكرامها قالت: "ولا تقف تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم عند حدود العموميات، فقد وضع قانونا لوراثة النساء، وهو قانون أكثر عدلا، وأوسع حرية من ناحية الإستقلال الذي يمنحها إياه القانون المسيحي الإنكليزي الذي كان معمولا به إلى ما قبل نحو عشرين سنة، فما وضعه الإسلام للمرأة يعتبر قانونا نموذجياً فقد تكفل لحمايتهن في كل ما يملكنه من أقاربهن وإخوانهن وأزواجهن"[25].
 
 
  • وقال مؤلف كتاب حضارة الغرب غوستاف لوبون ...فالقرآن قد منح المرأة حقوقا إرثية أحسن مما في قوانيننا الأوروبية، ومبادئ المواريث التي نص عليها القرآن على جانب عظيم من العدل والإنصاف، ويمكن للقارئ أن يدرك ذلك من الآيات التي أنقلها منه، وأن أشير فيه بدرجة الكفاية إلى أحكامها العامة، ويظهر من مقابلتي بينها وبين الحقوق الفرنسية والإنكليزية أن الشريعة الإسلامية منحت الزوجات اللاتي يزعمن أن المسلمين لا يعاشرونهن بالمعروف حقوقا في المواريث لا نجد مثلها في قوانيننا"[26]
ولكن للأسف لا زالت بعض المناطق وخصوصا البوادي تُحرم النساء من حقهن في الإرث ، ونسوا بل وتناسوا أن الذي قسم المواريث هو الله سبحانه وتعالى، ولم يتركها لأحد سواه يقسمها، بل قسمها هو بنفسه، وإذا أمعنا النظر في آيات المواريث وأحاديث الإرث، نجدها في غالبها تركز على استحقاق النساء، لأن الله سبحانه وتعالى قد علم أن الظلم في تقسيم التركة إنما يقع عليهن "في الغالب"، وهذا يكون في الإرث من العقار "غير المنقول" وأما الأموال المنقولة فحدث ولا حرج، فإن المرأة في كثير من الأماكن تحلم أن تطول الشمس، ولا تحلم أن يصلها مثقال ذرة من مال قريبها المتوفى وهذا قمة الظلم وقمة الجور وهذه هي صفات الجاهلية الأولى التي كانت تعتبر المرأة جزءا من المتاع، فكيف تطالب بشيء هي جزء منه؟ وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على الجهل بأحكام الشريعة في الإرث، حيث يظن ويعتقد البعض أن هذه المسألة من الأمور اليسيرة، أو من الأمور التي توارثها الأبناء على الآباء والأجداد، وأن هذه العادات والتقاليد هي الشرع الذي لا يجوز  تعديله ولا تبديله وأنهم إذا قسموا التركة بين جميع الورثة ذكورا وإناثا سوف يضحكون عليهم الناس ويسخرون منهم، وتناسوا قوله عز وجل الذي ختم بها آيات المواريث " تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ  وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا  وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14) "[27]، وقد أورد بن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآيتين قوله: أي هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه، هي حدود الله فلا تعتدوها ولا تتجاوزوها. ولهذا قال تعالى: "وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " _ أي في هذه القسمة والمقادير _ فلم يزد بعض الورثة ولم ينقص بعضهم بأي حيلة ووسيلة بل تركهم على حكم الله وفريضته وقسمته_ كان الجزاء " وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا  وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ" لكونه غيَّر ما حكم الله به وضادَّ الله في حكمه _ وقسمته _ وهذا لا يصدر إلا من عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، لهذا لا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم، ثم أورد رحمه الله حديثاً لأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ "إن الرجل ليَعمَلُ بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى وحاف _ أي جار _ في وصيته ختم له بِشَرِّ عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليَعمَلُ بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته فيختم له بِخَيرِ عمله فيدخل الجنة"[28].
خاتمـــــــــــــــة
 
لقد إتخذ العلمانيون الوضعية السيئة لكثير من النساء في الدول الإسلامية، ذريعة للدعوى إلى إقصاء أحكام شرعية واستبدالها بأخرى غربية، وجعلوا هذه الوضعية ستاراً يحجبون به أهدافهم الحقيقية وعلى رأسها خدمة العولمة الغربية في المجتمع وتحقيق مصالحم، ومحاولة تشكيك العامة من المسلمين في قيمة وأهمية ما لديهم من كنوز تشريعية عظيمة تتعلق بأحكام الدين والدنيا، ذلك أن الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية له النصيب الأكبر في هذه المسألة، ولهذا رغب النبي صلى الله عليه وسلم في تعلمه وتعليمه فقال: "تعلموا القرآن وعلموه الناس، وتعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإن العلم سيقبض وتظهر الفتن، حتى يختلف الإثنان في الفريضة فلا يجدا من يفصل بينهما"، فأحسن الله عزاءنا في مثقفينا الذين يرون في حكم الإسلام تخلفا ورجعية، بينما هو من أهم عوامل الإصلاح والتنمية[29].
وأختم بقول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "كنا في الجاهلية لا نعتد بالنساء، ولا ندخلهن في شيء من أمورنا، فلما جاء الله عز وجل بالإسلام، أنزلهن الله تعالى حيث أنزلهن، وجعل لهن حقا"[30].
 
 
 
 
قائمة المراجــــع:
 
1/  تفسير ابن كثير، الجزء الأول، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع _ بيروت _ سنة 1981م/ 1401 هــ.
2/ صحيح البخاري، المجلد الثاني، دار صُبح للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، سنة 2005م.
 3/ حماد القباج المراكشني: منزلة المرأة في الإسلام وكشف الشبهات، دار المجد للنشر والتوزيع،الطبعة الأولى لسنة 2008م.
4/ منصور بن حسن يحيى الفيفي: أين حق هؤلاء النساء من الإرث؟ _ الطبعة الثانية _ سنة 1421 هـــ.
5/ نوال بنت عبد العزيز العيد: حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية، دار الحضارة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، سنة 2012م.
6/عدنان ضيف الله عبد الهادي: حكم عمل المرأة في الفقه الإسلامي، الطبعة الأولى، 2007م.
7/ محمد رشيد رضا الحسيني: حقوق النساء في الإسلام نداء للجنس اللطيف، دار الكتب العلمية _ بيروت، الطبعة الأولى، سنة 2005م.
8/ عبد الله بن محمد الجلالي: شبهات في طريق المرأة المسلمة، دار ابن كثير: 1409 هـــ.
9/ يوسف القرضاوي: الخصائص العامة للإسلام، مكتبة وهبة، الطبعة السادسة، سنة 2003م.
10/ مصطفى صبري التركي: قولي في المرأة ومقارنته بأقوال مقلدة الغرب _ بيروت _ دارا بن حزم: 1413 هــ.
11/ مصطفى السباعي: المرأة بين الفقه والقانون _دار الوراق للنشر والتوزيع بيروت _ الطبعة السابعة، سنة 1999م.
12/  محمد شرحبيل: شبهات حول نصيب الأنثى من الميراث،" حقوق المرأة وواجباتها في الإسلام"، الجزء الثاني/ 29 _ 30 أكتوبر 1998م.
13/ محمد يعقوبي أخبيزة: حقيقة موقف الشريعة الإسلامية من القضية النسائية،" حقوق المرأة وواجباتها في الإسلام"، الجزء الأول/ 29 _ 30 أكتوبر 1998م.
14/ مريم بربور: محاضرات في علم الفرائض، الطبعة الثانية، سنة 2005م.


الهوامش

[1]  ـ النساء: 7.
[2] ـ مكانة المرأة بين الإسلام والقوانين العالمية: ص 168.
[3]  ـ النساء: 7.
[4]  ـ ينظر: تفسير أبي السعود (2/ 147)، شبهات في طريق المرأة المسلمة لعبد الله الجلالي (43 _ 44).
[5]  ـ النساء: 11
[6]  ـ النساء: 12
[7]  ـ النساء: 11
[8]  ـ النساء: 12
[9] ـ النساء: 176.
[10]  ـ  كتاب الوصايا / باب: لا وصية لوارث ( المجلد الثاني/ الحديث 2747)، ص 188.
[11]  ـ ينظر تهذيب التهذيب ( 6/ 13) 19، التقريب (542) 3617.
[12] ـ النساء:19
[13]  ـ نقلا عن منزلة المرأة في الإسلام وكشف الشبهات: ص 334.
[14]  ـ انظر حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية: ص 687.
[15]  ـ النساء: 11.
[16]  ـ محاضرات في علم المواريث، للأستاذ الحسن الأمراني زنطار: محاضرة يوم 20 ماي 2014م، بجامعة الحسن الأول ـ     سطات.
[17]  ـ النساء: 176.
[18]  ـ شرح صحيح مسلم ( 11/ 35).
[19]  ـ النساء: 34
[20]  ـ نقلا عن حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية: ص 686.
[21] ـ يمكن عد الذكور الوارثين عشرة فقط، وعلى ذلك مشى الرسموكي في نظمه حيث جعل العم واحدا شقيقا أو لأب، وكذا ابن العم، وكذا الأخ وابن الأخ وفي ذلك يقول:
                ذكور من كان لهم ميراث                 عشرة وسبـــع الإنــاث
إيضاح الأسرار، ص:24                     
 [22]  ـ النساء:11
[23] ـ النساء: 20
[24] ـ الملك: 14.
[25]  ـ نقلا عن المرأة بين الفقه والقانون لمصطفى السباعي، ص 214.
[26]  ـ نقلا عن حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية، ص 691.
[27]  ـ النساء: الآيتان (13 / 14).
[28]  ـ تفسير بن كثير، المجلد الأول/ ص 462.
[29]  ـ نقلا عن منزلة المرأة في الإسلام وكشف الشبهات ص260.
[30]  ـ رواه أبو داود الطيالسي في مسنده(23) بسند صحيح، وأصله في الصحيح. أنظر صحيح البخاري (4912) وصحيح مسلم (1479).
عن موقع marocdroit

الأربعاء، 18 يونيو 2014

بدون حرج : الزواج السري


هل يمكن الحديث عن ظاهرة زواج سري في عدد من الأوساط وبصيغ متعددة في المغرب؟ ما هو موقف الشرع وكيف يقارب القانون صنوفا من الزيجات يغيب فيها التوثيق والإشهار؟ أية دوافع تفسر الإقدام على مثل هذه الخطوة وما هي تداعياتها على طرفيها، على الأبناء إن وجدوا، وعلى المجتمع؟ ثم ما مداخل التصدي وقاية وعلاجا للارتباط سرا حفاظا على مؤسستي الزواج والأسرة؟ الزواج السري موضوع العدد الجديد من "بدون حرج"، بمشاركة كل من :

حسن السرات أمين مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط
فوزية الأبيض عضو لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بالبرلمان المغربي وباحثة في علم الاجتماع السياسي
سعيد بوزردة محام بهيأة الدار البيضاء وخبير التدريب في حقوق الإنسان
الخمار العلمي دكتور دولة في سوسيولوجيا التربية والأسرة

الاثنين، 16 يونيو 2014

شـهـادة اللّفيـف - عرض

محفوظ أبي يعلا

مجاز في القانون الخاص
الكلية المتعددة التخصصات
تطوان/مارتيل



شـهـادة اللّفيـف
مقدمّــة

و العـدل يكفـي في سمـاع البينـة ** من اللّفـيف فتراهـا هينـة (1)

لا شـكّ أن لدلائل الاثبات أهميّة كبيـرة في القضـاء . فهـي الوسيلـة الوحيـدة للوصول إلى الحـقّ. فالقـاضيّ يحـكم بالظـاهر , و بمـا يأتي بـه الخصـوم من حـجج . و قد ورد في الحديث الشريف ما يلي : " إنكم لتختصـمون إليّ , و لعلّ بعضكـم أحقّ بحجتـه عن بعـض فـمن قضيـتُ لـه بحـق أخيّـه شيئـاً بـقوله , فانّمـا أقطـع لـه قطعـة مـن النّـار فـلا يأخذهـا " (2) .

و تعتبر شـهادة اللفيف وسيلـة من وسائل الاثبات , اذ انّها تعتبر بينة شرعيّة . و بالتّالي فهي تندرج في المرتبة الثالثة من طرق الاثبات حسبما هو وارد في الفصل 404 من قانون الالتزامات و العقـود المغربيّ (3) .

و أهميّة شـهادة اللّفيـف لا تخفـى علـى أحـد , فمـن خلالها يتم الحفـاظ على حقـوق النّـاس الماليّة و الغيـر الماليّة . لا سيـما و نحـن نعلم أنه يتعـذر في أمـاكن كثيـرة من المغرب إقـامة الحـجة العدليّـة .

و في هـذا الموضوع سأحاول معالـجة موضـوع شـهـادة اللفيـف انطـلاقـاً من الأسـئلـة التّـاليّة : ما معنّى شهادة اللفيـف؟ و هل هناك ضرورة أدت إلى اعتبـار شهـادة اللفيـف وسيلة من وسائل الاثبـات؟ ثمّ مـا أهم الاجتهادات الّتي حسمـها العمـل القضائيّ في موضوع هـذه الشهـادة؟

و كلّ هـذه الأسئلة و غيـرها سأعرض لهـا من خـلال مبحثيـن علـى النّحـو التّالي :

المبحث الأوّل : اضـاءة على شهادة اللفيف
المبحث الثانيّ : شـهادة اللّفيف بين العمل القضائيّ و القانون .


المبحث الأوّل : اضـاءة على شهادة اللفيف

جـاء في المعجـم الوسيط : الشّـهادة : أن يخبر بما رأى . و الشّهـادة أن يقـر بما علـم
و الشهـادة : مجموع ما يدرك بالحس . و الشّهادة البينة ( في القضـاء ) : هي أقـوال الشهود أمام جهـة قضائيّـة .

و جـاء في نفس المعجم : اللّفيـف : ما اجتمع من النّاس من قبائـل شتّـى , أو من أخـلاط شتّـى . فيهـم الشّريف و الدنيء و المطيعُ و العـاصـي , و القـويّ و الضعيـف . و فـي التّنزيـل العزيـز : " جِـئْنـا بيِـكُـم لفيــفـــاً " أي مجتمعيـن مختلطـين .

و هـكذ , فإنّه بالجمـع بين الكلمتين الشهادة و اللفيـف , يتبين لنا أن المقصود بشـهـادة اللّفيف تلـك الشـهــادة الّتـي اجتمـع لـلادلاء بهـا جـملـة من الشـهـود , بعضهـم عـدلٌ و بعضهم غيـر ذلك . و هـذه الجمـاعة من الشهود "التفت" حول الواقعـة للشهـادة . و لهـذا سميت بهـذا الاسم , أي بشهـادة اللفيف( 4) .

و قـد بدأت شـهادة اللفيف بالبروز بكثـرة كوسيلـة اثبـات بعيد الاستقـلال . غيـر أن العـمل بها أو وجودها كشهـادة اثبات فهو وجودٌ قديـم . فالثابت أن الفقهاء أجـازوا العمل بشهـادة اللفيف قبـل حلول القرن العـاشر . و في هـذا الصدد ينقـل بعض شراح لاميّة الزقاق عن سيـدي العربيّ الفاسيّ قولـه : " و قد جَرى العمـل باللفيف فيما أدركنا , قبـل الألف , و لا ادري متى حدث ذلك ... " (5).


و قد وضع الفقهاء شروطا للأخذ بشهادة اللفيف . هـذه الشروط نجملـها فيما يلـي :

أ ـ أن يكون أفراد الشـهادة من الرّجال . و قد رأى بعـض الفقهـاء بالاقتصـار على اثنـى عشـر رجـلاً في عـدد اللفيـف . و أفتـوا في أن اللفيـف من النّسـاء و لـو بلـغ عـددهن المـائة لا يقضـى بـه .

ب ـ سلامة الشهـود من أسبـاب التـجريـح . و الشهود في هـذه الشـهادة , كمـا قدمنـا , لا تستلـزم فيـهم العـدالة الّـتي عـرفها ابـن رشد بكونها هيئـة راسخة في النّفس تحث على ملازمـــة التّقـــــوى, باجتنـــاب الكبـائر و توقــــي الصغائـر و التّحاشـي عـن الرذائــل المباحـة(6)و انّما يكتفي في شهـود اللفيف ستر الحال و عدم ظهور الجرح . و قد جـاء في العمـل الفـاسيّ : و لابد في الشهـود في اللفيـف /// من ستر حـالهم علـى المعـروف .

و ينبـغي في الشـهود أن لا يكونوا من مقربي المشـهود لـه أو من أعدائه .

ج ـ استفسـار الشـهود ورد شـهادة من اختـلف قولهـم عن ما ورد في رسـم اللفيـف . و في هـذا الصدد قال الفقيـه عبد الكريم اليازغـي : " الّذي يجب في هـذا الزّمن أنه لا يقضـي بشهـادة بينـة اللفيـف إلا بعـد الاستفسـار حضـر الشهـود أو غابـوا قربـت غيبتـهم أو بعدت إذ كثيـراً ما ينكر الواحـد منهـم الشـهادة رأسـاً أو يقـول خلاف ما قـالهُ أولاً( 7) . و قد جرى العمل بترك الاستفسار ان مضت ستة أشـهر عـن أداء الشـهود لشهـادتـهم فقد ورد في العـمل المـطلق : " واستحسنـوا إن مـرّ نصـف العـام /// من الاداء ترك الاستفهام " (8) .

هـ ـ أن لا يشـهد شهـود اللفيـف في شـيء اعتـاد النّـاس توثيقـه لـدى العـدول . و في هـذا الصدد نص الفقيـه سيدي المهدي الوزانيّ في الجز التّاسـع من نوازله الكبـرى عـلى ما يلـي : " العـادة الجـاريّة فـي بيـع الأصـول أن يكـون بالعـدول , لا باللـفيف , إذ لا موجـب لاشـهـاد اللفيــف , و الاعـراض عـن العـدول ... " (9) . فالخلاصـة هي أن الأصل في الإثبـات هو شـهـادة العـدول , و أن الأخـذ بشـهادة للفيـف هو استثـناء تـفرضـه الضـرورة .

د ـ تحليـف شهـود اللفيف . فقد قام كثيـر من القضـاة بتحليـف شهـود اللفيـف بعد أن ظهر لهم زيـادة الفجـور في أهـل الزّمـان . و في هـذا الشـأن جاء في العـمل الفـاسـيّ :
و حـلف ابن سـودة ( قـاضي ) الشـهود /// من اللفيـف لفجـور زيـدا (10) .

المبحث الثانيّ : شـهادة اللّفيف بين القانون و العمل القضائيّ .

ان طريقة اقامـة شهـادة اللّفيـف تكون بأن يأتي المشـهود له باثنى عشـر رجـلاً إلى عدل منتصب للشـهادة ـ هناك من قال بضرورة تلقي الشهادة من طرف القاضي ـ فيقـوم هـذا العدل بكتابـة مضمـن الشهـادة الّتـي تلقـاها , و يضـع أسمـاء الشـهود , ثم ينتقل إلى كتابة رسم آخر , فيه تسجيل على القاضي و صحته لديه , ثم يطالع العدل القاضي بذلك فيكتب هذا الأخير في الرسم العبارة التاليّة : " شهدوا لدي من قدم لذلك لموجبه فثبت " و يضع علامته , ثم يضع العدلان علامتيهما . ثم يخاطب القاضي على الرسم الثاني( 11 ) . و في هـذه الحالة , أي في حالة تدوين القاضي على الرسم , فإن شهادة اللفيف تكون بمثابة حجة كتابيّة من نوع الأوراق الرسميّـة و قد نصت الفقرة الأولى من الفصل 419 من ق ل ع على ما يلي : " الورقـة الرسميّـة حجـة قاطعـة حتـى على الغيـر في الوقـائع و الاتفاقات التي يشهـد الموظـف العمومـي الذي حررهـا بحصـولها في محـضره و ذلـك إلى أن يطعـن فيها بالزور " . أما اذا لم يكن هناك تدوين للقاضي فإنه يكون لشهادة اللفيف صفة الحجة العادية القابلة لاثبات العكس . و هـذه المسألة مهمة من حيث تحديد قوة شهادة اللفيف الاثباتيّة .

لقـد وجهـت الكثيـر من الانتقـادات لشهـادة اللفيـف , نظـراً لعـدم احتـرام اللّفيفيـات للقواعـد و الشروط الّتي وضعـت لقبولـها . فذهب تيـار من الفقهـاء إلى اعتبـار اللفيـف شهـادة لا ترتبـط بالشريعـة في شيء , بل هي وليـدة الضرورة لا غيـر (12) . و ذهـب تيـار آخـر إلى اعتبـار إشكـال شهـادة اللفيـف يكمـن في انعـدام الضمانـات , فالواقـع أنّـه ينبغـيّ أن تسمـع شهـادة الشهـود بمجـلس القضـاء و ليس أن تقـرأ في وثيقـة كمـا هو الحـال في اللفيـف (13) .

و المتتبـع لقرارات المجلـس الأعلـى في هـذا الشـأن يلاحظ الاختـلاف و الاضطـراب في موقفـه من شهـادة اللفيـف . ففـي القـرار عـدد : 224 و الصـادر بتـاريخ : 11 يونيـو 1974 ورد الآتـي : " إن الشـهادة اللفيـفيّة تعتبـر قرينـة فعليّـة تخضـع فـي تقديـر قيمتـها كوسيـلة للإثبـات لقضـاة الموضوع في نطـاق سلطتـهم التّقديـريّـة " . و هـكذا , نلاحـظ أن المجلس الأعلى في هـذا القـرار اعتبر اللفيـف قرينـة فعليّـة (14) . و يـرى الأستـاذ محمـد الربيعـي أن ادخـال اللفيـف ضمن وسائـل الاثبـات المنصوص عليـها في ق ل ع هو ادخال غير سليم و لا يصـح لأن اللّفيـف , حسب رأيه , مؤسسّـة فقهيّـة مستقلـة , لهـا قواعـدها الخـاصّـة و لا ينبغـيّ اعتبـارهـا قرينـة فعليّـة .

و في القرار عدد 529 الصـادر بتـاريخ : 21 شتمبـر 1977 نجد أن المجلس الأعلى اعتبر اللفيـف مجـرد لائحـة شهـود .و بالـتّالي فهـو موقف جرد اللفيـف , نوعـا ما , من قوتـه الإثباتيّـة .

بيـد أن القرار عدد 809 بتاريـخ 25 دجنبـر 1982 اعتـبر اللفيـف ورقـة رسميّـة من حيث الشكل و مجـرد شهـادة من حيـث المضمـون . و بالتّـالـي يكـون قد أدخـل اللّفيـف ضمـن وسائـل الإثبـات .

و نجـد في القـرار 354 الصـادر بتاريـخ 21 مارس 1987 ما يلـي : " شهـادة اللفيف الّتي يتلقـاها العدول نيـابة عن القـاضي و تسجل عليـه هـي بمثابـة شهـادة العـدول في إثبـات الحقـوق و ليسـت مجـرد لائحـة شهـود " . و في هـذا الشأن نتـذكر ما ذكـره سيـدي العربـيّ الفـاسـيّ , حيث أشـار إلى أن ابن رشد كـان يعتبـر اللفيـف مجـرد جمع يُسَهل على القاضي اختيار الشهود , فإن وجد فيهـم من يزكى ألغى الزائد , و إن لم يجـد أحداً ألغـى الجميـع . ( 15 ) و هو الموقف الذي عمل به المجلس الأعلى في القرار 529 الذي عرضناه .

خـاتمــة :

يظهـر لنـا أن الفقهـاء و القضـاة , أخـذوا بشهـادة اللفيــف بسبب الضرورة و الاستثنـاء .

و لا يفوتنـي في هـذه الخاتمـة أن أبـدي بعـض الملاحظـات حـول شهـادة اللفيـف :

ـ أولاً , ينبغـي اعـادة النـظر في الاتجـاه القـائل بالأخـذ بشهـادة اللفيـف , لأن العمـل بهـذه الشـــهـادة هـو عمـــــلٌ بشهـادة جامـدة و صامتـة , تفتقــــر لضمانـات الصـــــدق و الوضـوح .

ـ ثانيـاً , اشتـراط الفقهـاء أن يكون أفراد الشهـادة من الذكور , و الافتاء بأن اللفيـف من النّسـاء و لـو بلـغ عـددهن المـائة لا يقضـى بـه . هـو شـرط يدخـل في التمييز بين الرجل و المرأة , و بالتّـالي فهـو شرط لا يتنـاغم مع روح العصـر .

ـ و أخيـراً أقتـرح تدخل الدّولـة عن طريق تشجيـع النّـاس على توثيـق حقوقـهم توثيقـاً رسميّـاً يعتـدُ بـه و يكون منسجمـاً مـع الحداثـة و دولـة الحـقّ و القـانـون , و لن يكـون ذلك إلا بعـد تطويـر المدن و تقريب و تسهيـل الخدمـات للنّـاس , بحيث لا يتعـذر عليـهم توثيـق حقوقـهم توثيقـاً رسميـاً .

عسـى أن يكلل جهـدي في هـذا البحث المتواضـع بالنـفع . فمـا رجـوت إلا عملاً صالحـاً ينتفـع به . و اللـه من وراء القصــد .



هوامش :

1 ـ من العمل الفاسي .
2 ـ صحيح البخـاري .
3 ـ الفصل 404 ق ل ع : " وسائل الاثبات التي يقررها القانون هي : 1 ـ إقرار الخصم . 2 ـ الحجة الكتابية . 3ـ شهادة الشهود . 4ـ القرينة . 5 ـ اليمين و النكول عنها " .
4 ـ عبد العلي العبودي , سماع دعوى الزوجية بصفة استثنائية , مجلة الملحق القضائي , العدد : 26 , ماي 1993 . ص : 41 .
5ـ أحمد أمغار , شهادة اللفيف و اعتمادها كحجة إثبات , رابطة القضاة , السنة : 22 , عدد : 16/17 , مارس 1986 , ص 20 .
6 ـ عادل حاميدي , التطليق للشقاق و اشكالاته القضائيّة , ص : 39 . و في هـذا يقول صـاحب التّحفة : وشـاهد صفتـه المرعيّـة / عـدالة تيقـظ حرّيّـة / و العـدل من يجتنب الكبـائرا / و يتقي في الغـالب الصغائـرا / و ما أبيح و هـو في العيـان / يقـدح في مـروءة الإنسـان
7 ـ محمد الربيعي , موقف الفقـه و القضاء من اللفيفيات قديماً و حديثاً , الاشعاع , العدد : 15 , السنة التاسعة , يناير 1997 , ص : 107
8 ـ أحمد أمغار , مرجع سابق , ص : 24
9 ـ أحمد أمغار , مرجع نفسه , ص : 24
10 ـ محمد الربيعي , مرجع سابق , ص : 109
11 ـ أحمد أمغار , مرجع سابق , ص : 21 .
12 ـ محمد الربيعي , مرجع سابق , ص : 111
13 ـ محمد الربيعي , مرجع نفسه , ص : 111
14 ـ محمد الربيعي , مرجع نفسه , ص 112
15 ـ محمد الربيعي , مرجع نفسه , ص 112

 عن موقع marocdroit

الأحد، 1 يونيو 2014

القضاء الاسري بالمغرب


 

رشيد برادة 

ماستر أحكام الأسرة في الفقه و القانون

 









 
مقدمة

       تعتبر أقسام قضاء الأسرة محاكم مرتبطة بالمحاكم الابتدائية.وقد تم إحداثها بالتدريج ابتداء من سنة 2001 ليتم تعميمها سنة 2004 (فبراير2004) مع انطلاق العمل بقانون مدونة الأسرة الذي يعنى بشؤون الأسرة والطفل والأحوال الشخصية للأفراد معوضا بذلك قانون الأحوال الشخصية الذي كان معمولا به قبل هذا التاريخ.ولكن احداث القضاء الاسري بالمغرب لم يأتي بين ليلة وضحاها إذ أن الشأن الاسري بالمغرب عرف عدة تغيرات و مستجدات عبر مراحل مختلفة من تاريخ المغرب.فقبل القضاء الاسري كنا نسمع بالقضاء الشرعي الذي كان يحتكم اليه في فض جميع النزاعات بما فيها النزاعات الاسرية.لذلك فإذا أردنا أن نعرف المحطات التاريخية التي مر بها التنظيم الاسري بالمغرب فلابد من الرجوع الى التطور التاريخي لقضاء الاسرة والإصلاحات التي عرفها هذا الجهاز في مختلف المراحل.كما لابد أن نتطرق الى قانون الاحوال الشخصية باعتباره من الارهاصات الاولية لإحداث اقسام و غرف للأحوال الشخصية والميراث.وهنا تطرح عدة أسئلة منها :كيف نشأ قسم قضاء الاسرة؟وما علاقته بالقضاء الشرعي؟وهل يمكن أن نتحدث عن القضاء الاسري قبل الحماية بالمغرب وأثنائها؟ثم ما الهدف و الغاية من انشاء قسم خاص بالقضاء الاسري؟وما الدور الذي يلعبه في التفعيل الايجابي لمقتضيات مدونة الاسرة؟وما المشاكل التي يطرحها هذا القسم في ظل تعقد النزاعات الاسرية وكثرتها؟
 
 
 
المبحث الاول :التطور التاريخي لقضاء الاسرة و الإصلاحات التي عرفها

المطلب الاول : التطور التاريخي لقضاء الاسرة

لكي نتحدث عن التطور التاريخي لقضاء الاسرة لابد ان نميز بين ثلاث مراحل رئيسية : مرحلة ما قبل الاستعمار ومرحلة الحماية ومرحلة ما بعد الاستعمار.وفي جل هذه المراحل سنتطرق للحديث عن  التنظيم الاسري في علاقته مع القضاء الشرعي.بحكم أن جميع المنازعات كان يحتكم فيها الى الفقه الاسلامي.

الفقرة الاولى  :التنظيم الاسري قبل الاستعمار

قبل الاستعمار الاجنبي للمغرب لم تكن هناك قوانين موحدة مكتوبة تنظم العلاقات الأسرية بل كان الفقه الاسلامي خاصة الفقه المالكي هو المصدر الوحيد الذي يرجع له لتنظيم أحكام الاسرة وحل المنازعات الاسرية.فقد كان القاضي يرجع الى الفقه المالكي للجواب عن جميع المسائل و النوازل التي تعرض عليه.والملاحظ أن الفقه الاسلامي كان حاضرا دائما في تنظيم أمور الحياة في جميع المراحل سواء في مرحلة المرض أم الحرب أم المجاعة أم الازدهار...فخلال عقود طويلة كانت المغرب دولة تابعة للخلافة الاسلامية،ويخضع حكامها ومحكوميها لتعاليم الشريعة الاسلامية سواء في المجال الاسري أم في جميع المجالات الاخرى.وقد كان القضاء الشرعي أحد المعالم التي ميزت الدولة المغربية.وكان القضاة والمفتون يصدرون أحكامهم وفق المذهب المالكي.
ويلاحظ أن النظام القضائي الاسري الموجود قبل الاحتلال لم يكن عاما وشاملا لجميع التراب المغربي.ففي حين كان قضاء الفرد مطبقا في عواصم البلاد كفاس و مكناس و مراكش وغيرها من المدن الكبرى.نجد أن المناطق الريفية كانت تخضع لنظام آخر في التقاضي،كما هو الحال في المناطق القبلية و الجبلية حيث كانت الدعاوى الاسرية وغيرها ترفع أمام الجماعة أو لفقيه مسجد له علم بالشريعة وأحكام الفقه المالكي.فكان القاضي في بعض المناطق هو شيخ المسجد الذي يعقد الانكحة ويفصل في المنازعات الاسرية.
وعليه فقد كان نظام التقاضي بسيطا ليس فقط في العقود المتعلقة بالأسرة بل في جميع العقود و المنازعات.وكان الناس يقبلون بالحكم الصادر لثقتهم بجماعة الشيوخ أو الامام الذي كانت صلاحيته تشمل القضاء بين الناس كذلك.
واذا عدنا وراء نجد أن التاريخ قد سجل عناية ملوك المغرب بتنظيم القضاء والإشراف على مجالسه العليا :مثل :يوسف بن تاشفين ويعقوب المنصور الموحدي وأحمد المنصور الذهبي ومحمد بن عبد الله العلوي وغيرهم.وكان منصب القضاء لا يسند إلا للعلماء المشهود لهم بالكفاءة و النزاهة[1].
فمثلا في عصر العلويين شمل القضاء في المغرب بعض الاصلاحات خاصة في عصر السلطان "محمد بن عبد الله العلوي" 1710 - 1790))[2]. فرغم ماكان معروفا لدى القضاة من مساطير قضائية يرجع عهدها الى عهد دولة الاسلام بالأندلس المبسوطة في كتب النوازل و الاحكام من التبصرة لابي فرحون، و تحفة الحكام لابن عاصم و من لامية الامام الزقاق و غيرهم من رجال الحكم و النوازل و التوثيق، فإن هذا الخليفة احب ان يضيف الى كل ذلك بعض القوانين التي رآها مفيدة في عهده و عصره.ولاشك أن هذا الاصلاح شمل جميع المجالات بما فيها الميدان الاسري.
حيث أصدر ظهيرا شريفا بمقتضاه أصبح  كل قاض اصدر حكمه إلا و يلزمه ان يكتبه في نسختين احداهما يتمسك بها المحكوم له ليكون بيده سندا لما حكم له به و ليتحقق المحكوم عليه ان القاضي قد استند فيما حكم به عليه على النصوص الفقهية المشهورة او الراجحة او ما جرى به العمل.أما ان لم يكن مدعما بما ذكر فله اصدار فتوى من العلماء على ان الحكم الصادر من القاضي غير صائب، و له طلب مراجعته لإعادة الحق الى طريقه و صوابه.وهذا شبيه بمجلس الاستئناف الذي يعقب الاحكام الخارجة عما سن و شرع في هذا المرسوم الملكي.
ثم اتبعها بخطوة اخرى جبارة مشتملة على فصول سبعة ما يهمنا منها هما الفصل الاول و الفصل الخامس المتعلقين بالمجال الاسري وهما كالتالي :
الفصل الاول: ان لا توكل المرأة زوجها لاستخراج حقوقها خوفا من توصله بذلك الى اكل أموالها بعد الحكم لها بها " و كم شاهدنا امثال ذلك" و لها ان توكل احد اقاربها " تحدث للناس أقضية بقدر ما احدثوا من الفجور".
الفصل الخامس: إذا ضرب الزوج زوجته بدون موجب شرعي فإن القاضي لا يطلقها عليه في أول الامر بل ينزلها عند اقاربها حتى يثوب اذ لعله يرجع عن غيه فلا يجد امراته طلقت عليه " لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك امرا" [3].
وعموما كان التنظيم القضائي المغربي في مرحلة ما قبل الحماية يعرف عددا من المحاكم للفصل في النزاعات المتنوعة المعروضة عليه بما فيها الاسرية،ولم يكن هناك قضاء خاص بالاسرة بالمفهوم الذي نعرفه اليوم،بل كانت هناك محاكم شرعية؛ محاكم عبرية؛ محاكم قنصلية؛ ومحاكم الباشوات والقواد.وقد تمخضت هذه المحاكم عن مجموعة من الاتفاقيات التي وقعها المغرب مع الدول الأوروبية خاصة مع فرنسا سنة 17شتنبر 1731م، مع اسبانيا سنة 1761م، مع النمسا سنة 1830م، مع و.م.أ سنة 1836م ثم مع بريطانيا سنة 1865م.
        لكن إلى جانب هذا التنظيم وبموازاة معه، عرف المغرب خلال هذه المرحلة بعض المؤسسات التراثية الأصيلة أوكل إليها مراقبة حسن سير عدة مرافق من أجل الحفاظ على الصالح العام ودرء المفاسد، وجعل حد لأي تعسف يمكنه أن يمس بهذا الصالح العام، ويمكن أن ندرج في هذه المؤسسات : الحسبة، ولاية المظالم(الخصومات) ووزارة الشكايات.[4]وقد كانت ولاية الخصومات تعرض عليها المنازعات المرفوعة من الناس ولاشك أن من ضمن هذه المنازعات ما يتعلق بالأحوال الشخصية والميراث.
وإذا كان القضاء في المجال الاسري يحتكم فيه الى الشرع كغيره من المجالات الاخرى في المغرب فإن بعض المناطق عرفت القضاء العرفي الى جانب القضاء الشرعي المطبق في الاحوال الشخصية والنزاعات العقارية والإرث،والكثير من الاعراف حصلت على موافقة السلاطين كالمنصور السعدي والحسن الاول.[5]
ويظهر التعلق بهذه الاعراف في البوادي المغربية إلا أن قوتها تتجلى بشكل واضح بمنطقة سوس في الجنوب المغربي حيث يتولى أعيان الجماعة الفصل في النزاعات بمقتضى الاعراف المحلية.ويطلق على هؤلاء بلسان المنطقة "انفلاس".وهذه القوانين العرفية تدون في رسوم أو ألواح تحفظ عند الاعيان.ويرجع تاريخ أقدم لوح عثر عليه إلى سنة 904 هجرية الموافق 1498 ميلادية.قال "الاكراري" في "روضة الافنان : ومن عادة سوس الاقصى من وادي ألغس إلى الساقية الحمراء-لخلوه من أحكام السلطان-أن عينوا لمن يباشر أمورهم والفصل بينهم عوارف يسمونهم "النفاليس" وهم في الحقيقة مفاليس إن لم تقل أباليس.يكتبون عقدا يسمى "عرفا" وليته يسمى "نكرا".يقولون فيه من فعل كذا يعطى كذا،وتركوا أحكام الشريعة وراء"[6].وقد أنكر العلماء الحكم بالاعراف المخالفة لتعاليم الاسلام.[7]

الفقرة الثانية : التنظيم الاسري اثناء الحماية (1912-1956)

اختلف التنظيم القضائي باختلاف مناطق النفوذ الاستعماري.وعموما عرف المغرب عدة  أنواع من المحاكم :كالمحاكم الشرعية، المحاكم المخزنية،والمحاكم العبرية  والمحاكم العرفية.وثم الغاء المحاكم القنصلية وإنشاء المحاكم العصرية اضافة للمحاكم الاسبانية الخليفية بالمنطقة الشمالية الخاضعة للمستعمر الاسباني.[8]
         وما يهمنا هنا هي المحاكم الشرعية التي تمثل القضاء الشرعي و تتعلق بالتنظيم الاسري. فقد احدثت هذه المحاكم بمقتضى ظهير 7 يوليوز 1914 .و قامت سلطات الحماية بإدخال عدة إصلاحات عليها وذلك عبر مستويين مستوى الاختصاص ومستوى تعدد الدرجات.فأما على مستوى الاختصاص أصبح دور المحاكم الشرعية مقتصرا على قضايا الأحوال الشخصية والميراث بين المسلمين وقضايا العقار غير المحفظ، أي أنها أصبحت مقصورة على النزاعات المغربية بما فيها قضايا احكام الاسرة.وأما على مستوى تعدد الدرجات    فقد قسمت هذه المحاكم إلى درجتين : محاكم قضاة القرى و محاكم قضاة المدن .وتعتبر محاكم قضاة المدن محاكم استئنافية تستأنف لديها أحكام قضاة البادية.[9]
والملاحظ أن المستعمر قوى من القضاء العرفي في القبائل الامازيغية باستصدار الظهير البربيري لسنة 1930 مما أخرج حوالي نصف سكان المغرب عن دائرة القضاء الشرعي.
أما المحاكم العبرية فكانت تختص بالبث في مسائل الاحوال الشخصية والميراث  لليهود المغاربة.وقد اعيد تنظيمها بمقتظى ظهير 12 مايو 1918.[10]
فوسط هذه الانماط القضائية المتعددة وجد القضاء الشرعي نفسه محاصرا بالنظم و التشريعات الجديدة.وعموما فإن من أهم التغييرات التي عرفها القضاء الشرعي أثناء الاستعمار هو أنه أصبح ذات طابع استثنائي بعدما كان قضاء أصليا منذ اعتناق المغاربة للاسلام ولم يبقى من اختصاصاته إلا الاحوال الشخصية للمسلمين و ميراثهم وقضايا المحاجر والقاصرين والعقار غير المحفظ.
كما احتفظ القضاء الشرعي أثناء هذه الفترة بنظام القاضي الفرد في الدرجة الاولى،والقضاء الجماعي في مجلس الاستئناف.[11]لكن هذا القضاء الذي كان مختصا في الحكم في الامور الاسرية كان معرضا للانحلال و الفساد بسبب ربط المستعمر الفرنسي القضاة الشرعيين بالخصوم الذين يدفعون للقضاة أجور البث في الدعاوى،فيأخذ القاضي 30 في المائة مما يجب أداؤه من الشهادات ،والباقي يترك للعدلين .
اضافة الى هذا كانت المحاكم الشرعية خاضعة لمراقبة المندوب الفرنسي أو حاكم الدائرة.
و زبدة القول أن القضاء الشرعي في عهد الحماية انتزعت منه كثير من الاختصاصات و الصلاحيات وحول الى قضاء استثنائي.وكانت قضايا الاحوال الشخصية والميراث موكولة له.وبالتالي فقد ضيق عليه الحصار حتى أصبح شبيها بالقضاء الاسري لأنه لا يبث سوى في النزاعات الاسرية والعقار غير المحفظ.هذا في حين تم توسيع صلاحيات المحاكم التي أحدثها المستعمر الاجنبي.

الفقرة الثالثة : التنظيم الاسري في عهد الاستقلال

عندما رحل المستعمر من المغرب ترك مجموعة من المحاكم تتباين في التنظيم والأهداف و الاجراءات والاختصاصات،مما يلمح بحدوث تضارب في الاحكام الصادرة عن هذه المحاكم.لكن بمجرد حصول المغرب على الاستقلال أسندت لوزارة العدل مهمة اصلاح  الجهاز القضائي.وقد عرف المغرب خلال هذه الفترة أربعة أنواع من المحاكم وهي :المحاكم الشرعية و المحاكم العادية[12] والمحاكم العصرية و المحاكم العبرية.[13]
أما بالنسبة للقضاء الشرعي الذي كان يبث في قضايا الاحوال الشخصية فلم يعرف تغييرات كثيرة.وأهم ما ناله هو توسيع اختصاصه بعد الغاء المحاكم العرفية،ليشكل جميع التراب الوطني المغربي.
وهكذا فالتغييرات التي باشرها المغرب أثناء حصوله على الاستقلال لم تمس جوهر القضاء عموما والقضاء الشرعي بشكل خاص.
لكن فيما يخص الاحوال الشخصية فبعد حصول المغرب على الاستقلال ظهرت الحاجة الى وضع قانون موحد ينظم الأحوال الشخصية خاصة بعدما خلف المستعمر من محاكم شرعية و أخرى عرفية تضاربت أحكامهما و اختلفت .ونتيجة لذلك سارع المغرب الى احداث قانون موحد للأحوال الشخصية لدرء التعارض و الاختلاف بين القضاة بسبب اختلاف المصادر المعتمدة في صياغة الاحكام.وكان الهدف الاساس هو استرجاع السيادة الشرعية بجمع احكام الفقه الاسلامي في مدونة تكون هي معتمد القضاة في الاحكام المعروضة عليهم.
وقد بدأت معالم القضاء الاسري تظهر بصدور مدونة الاحوال الشخصية بظهير رقم 190-57-1 المؤرخ ب 22 محرم 1377 الموافق ل 19 غشت 1957 من طرف جلالة الملك محمد الخامس.ويقضي هذا الظهير بتكوين لجنة[14] بتعاون مع وزارة العدل لوضع مدونة لأحكام الفقه الاسلامي على شكل كتب تصدر تباعا يتألف من مجموعها مدونة تسمى ب ”مدونة الاحوال الشخصية “.وبموجب هذا الظهير صدرت ستة كتب متتالية بعدة ظهائر اخرى ابتدأ العمل بها ابتداء من سنة 1958.[15]
ورغم الحماية التي عرفتها المدونة فقد ظهرت عدة محاولات للإصلاح سنوات 1961[16] و [17]1965 و  1970 و  1974 و 1979 و 1981 وذلك نتيجة مصادقة المغرب على مجموعة من الاتفاقيات الدولية دفعت عدة جمعيات و منظمات (خاصة النسائية) الى ممارسة ضغوطات على الدولة من اجل الاصلاح وضرورة الالتزام بالاتفاقيات الدولية.
لكن كل هده المحاولات الاصلاحية لقيت رفضا من المشرع المغربي وبقي العمل بالمدونة مند 1957 الى حدود سنة 1993[18] حيث اول تاريخ لنجاح اول محاولة موفقة للتعديل.
لكن تعديلات 1993[19] لم تلبي متطلبات كثير من الحقوقيين والجمعيات والمنظمات النسائية إذ لم تحقق أغلب متطلباتهم المتمثلة في الالتزام بمقتضيات الاتفاقيات الدولية بإلغاء التمييز بين الجنسين وتكريس مبدأ المساواة بين الرجل و المرأة.ونتيجة لذلك ففي سنة 1999 أطلق ما سمي بمشروع "الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية" الذي شكل منعطفا حاسما لظهور المدونة الجديدة بسبب ردود الفعل القوية التي خلفها هذا المشروع بين مؤيد ومعارض.
وفي 27 أبريل 2001 تدخل الملك لحسم هذا الصراع حيث أعلن عن تشكيل اللجنة الملكية الاستشارية المكلفة بتعديل بنود المدونة برئاسة الأستاذ "إدريس الضحاك" الذي تم استبداله بالأستاذ محمد بوستة (الزعيم السياسي في حزب الاستقلال).
 بتقديم الملك لمشروع مدونة الأسرة انتقل المغرب من "قانون الأحوال الشخصية" إلى "مدونة الأسرة"[20]، فلم يعد الاهتمام منصباً على حقوق الأشخاص وواجباتهم في معزل عن الآخرين كما يفعل الغرب، بل أصبحت الأسرة حاضرة بجميع مكوناتها في القوانين الجديدة.

المطلب الثاني :الاصلاحات التي عرفها القضاء الاسري

الفقرة الاولى :ممهدات صدور القضاء الاسري بعد الاستقلال

اولا:مرحلة 1956 إلى 1974

عرف المغرب بعد حصوله على الاستقلال جملة من الاصلاحات في التنظيم القضائي ابتداء بإلغاء بعض المحاكم كالمحاكم العرفية  وإحداث اخرى كإحداث المجلس الأعلى و محاكم الشغل سنة 1957 الى صدور قانون المغربة.كما صدرت مجموعة من القوانين أهمها[21] قانون الاحوال الشخصية الذي يعتبر مرحلة ممهدة لإنشاء القضاء الاسري. وفي 26 يناير 1965 خرج الى الوجود قانون التوحيد[22] و المغربة و التعريب.[23]

ثانيا: مرحلة 1974 إلى 2004

للحديث عن التطور الذي عرفه القضاء الاسري لابد أن نشير الى أن سنة 1974 عرفت اصلاحا قضائيا كبيرا في جميع الميادين.فبمقتضى ظهير 15يوليوز 1974م أصبح القضاء المغربي الحالي يشمل نوعين من المحاكم؛ الأولى تسمى بالمحاكم العادية، والثانية تدعى المحاكم الاستثنائية.

  • المحاكم العادية

 

هي تلك المحاكم التي يتم التقاضي أمامها وفق شروط التقاضي العامة دون حاجة إلى توفر الشروط الخاصة كما هو الحال بالنسبة للمحاكم الاستثنائية. وقد حدد التنظيم القضائي المغربي  المحاكم العادية فيما يلي:

  • محاكم الجماعات والمقاطعات التي يحدد تنظيمها  وتأليفها واختصاصاتها بمقتضى القانون.
  • المحاكم الابتدائية.
  • محاكم الاستئناف.
  • المحاكم الإدارية.
  • المحاكم التجارية.
  • محاكم الاستئناف التجارية.
  • المجلس الأعلى للقضاء.
  • محاكم الاستئناف الإدارية ( أحدثت مؤخرا سنة 2003).

وما يهمنا هنا هو ما يتعلق بالقضاء الاسري والذي يوجد ضمن تخصصات المحاكم الابتدائية[24] اضافة الى محاكم الاستئناف.فأما المحاكم الابتدائية فيمكن تقسيمها بحسب نوعية القضايا التي تختص بالنظر فيها إلى أقسام الأسرة وغرف مدنية، وغرف تجارية وعقارية واجتماعية وزجرية.
       تنظر أقسام قضاء الأسرة في قضايا الأحوال الشخصية والميراث والحالة المدنية وشؤون التوثيق والقاصرين والكفالة وكل ما له علاقة برعاية وحماية الأسرة.
      لكن يمكن لكل غرفة أن تبحث وتحكم في كل القضايا المعروضة على المحكمة كيفما كان نوعها باستثناء ما يتعلق بأقسام الأسرة. كما يمكن تكليف قاض أو أكثر من قضاة هذه المحاكم بمزاولة مهامهم بصفة قارة في أماكن توجد داخل نفوذها وتحدد بقرار لوزير العدل.
       كل المسائل المرتبطة بالأحوال الشخصية والعائلية والإرث أيضا في اختصاص المحاكم الابتدائية سواء تعلق الأمر بالمواطنين المسلمين أو الإسرائيليين أو الأجانب.
      وتختص المحاكم الابتدائية في القضايا إما ابتدائيا و انتهائيا أو ابتدائيا مع حق الاستئناف طبقا للشروط المحددة في قانوني المسطرة المدنية والجنائية أو النصوص الخاصة عند الاقتضاء.
       وتجدر الإشارة إلى أن اليهود المغاربة يخضعون في أحوالهم الشخصية إلى قواعد الأحوال الشخصية العبرية المغربية. ويتولى قضاة عبريون بالمحاكم النظر في هذا النوع من القضايا.
وأما محاكم الاستئناف[25] فمن ناحية التنظيم تتكون من عدة غرف متخصصة، من بينها غرفة الأحوال الشخصية والميراث والغرفة الجنائية.


2- المحاكم الاستثنائية

 أوكل القانون إلى هذه المحاكم النظر في بعض الحالات الخاصة، وهي نوعين حاليا: المحكمة العسكرية[26]، المحكمة العليا[27].
وبالتالي فإصلاحات سنة 1974 توجت بإحداث غرف و أقسام خاصة بالأسرة.لكن هذا لا يعني أنه تم انشاء قضاء اسري مستقل.اذ مازالت هناك حاجة ملحة لإنشاء قضاء أسري مستقل يضمن التطبيق السليم لمقتضيات مدونة الاحوال الشخصية.

الفقرة الثانية : احداث القضاء الاسري سنة 2004

لاشك أن من الامور التي اتفق عليها أغلب المتتبعين و الدارسين - بعد صدور مدونة الاسرة[28] - ضرورة وجود قضاء متخصص من أجل ضمان التطبيق السليم لهذا القانون اذ لا يمكن ان نتصور نجاح قانون المدونة الجديدة بدون توفر قضاء فعال وعادل.وقد اتضح ذلك جليا من الخطاب الملكي الذي أشار فيه الملك محمد السادس إلى قيامه بتوجيه رسالة إلى وزير العدل تضمنت ما يلي : «.... وقد أوضحنا فيها أن هذه المدونة مهما تضمنت من عناصر الإصلاح فإن تفعيلها يظل رهينا بإيجاد قضاء أسري عادل، وعصري وفعال، لا سيما وقد تبين من خلال تطبيق المدونة الحالية أن جوانب القصور والخلل لا ترجع فقط إلى بنودها ولكن بالأحرى إلى انعدام قضاء أسري مؤهل،  ماديا وبشريا ومسطريا، لتوفير كل شروط العدل والإنصاف، مع السرعة في البث في القضايا، والتعجيل بتنفيذها..."
 وتجدر الإشارة إلى أنه لم يسبق للتنظيم القضائي المغربي أن عرف جهازا قضائيا مستقلا وخاصا بالقضايا الأسرية،  وقد يزعم البعض بوجود هذا الجهاز قاصدا المحكمة الشرعية غير أنه يرد بأن دور هذه المحكمة المتكونة فقط من قاض للتوثيق والسادة العدول يقتصر فقط على تلقـي الإشهاد بالزواج، والطلاق وبعض القضايا المتعلقة بالإرث والمحاجير، كما أن تصفـح تاريـخ الأحوال الشخصية يبرز لنا غياب أي إشارة إلى هذا القضاء، بداية مـن مدونـة 1957 ومرورا بتعديلات 1993، و قد تضمن مشروع الخطة الوطنية للإدماج المرأة في التنميـة ضرورة وجود محاكم خاصة بالقضايا الأسرية  .
        وقد تم تدشين أقسام القضاء الأسـري يـوم 05/09/2002 بكل من المحكمة الابتدائية "بالرماني" و"ابن سليمان"، وذلك نظرا للإحساس بخصوصيـة القضايا بالأسريـة، والمشاكل التي تعتريها، غير أن إحداث هذه الأقسام لم يكن يستند على أي أساس قانوني، وذلك إلى غاية صدور قانون 73-03 المتعلق بتعديل التنظيم القضائي، الذي إلى جانب تكريس ما سبق، قام أيضا بتدقيق اختصاص هذا القسم، كما منحه الاستقلالية عن باقي الغرف وقد انطلقت بعد صدور هذا القانون سلسلة من التدشينات لأقسام قضاء الأسرة بمختلف محاكم المملكة كان آخرها بالمحكمة الابتدائية بمراكش.
       ومن الدول التي سبقتنا في هذا المجال نجد تونس التي تعتبر تجربتها تجربة رائدة بالنسبة لنا، أما مصر التي سبقتنا في تعديل قانونها الأسري، فإن مسألة إحداث قضاء أسري مستقل ما تزال إلى حد الآن مجرد مشروع.
      وبما أن إحداث قسم قضاء الأسرة تجربة حديث بالنسبة للمغرب فإن دراسته من الناحية النظرية تكتسي أهميـة بالغـة، و ذلك مـن أجل التعريف به و بمكوناته و خصوصيته، خصوصا وأننا أشرنا سابقا إلـى أن الكل يعـول عليـه مـن أجل تفعيل المدونـة الجديـدة.
 
 
        المبحث الثاني :الهدف من إحداث قضاء أسري متخصص.[29]

يمكن تقسيم أهداف قضاء الأسرة إلى ، أهداف مباشرة و أهداف غير مباشرة:

 المطلب الأول: الأهداف المباشرة.

        أهم ما يرجـى تحقيقـه من القضاء المتخصص نجد سرعة البت ( الفقرة الأولى )، ثم التسهيل على المتقاضين ( الفقرة الثانية ).

 الفقرة الأولى: سرعة البت في القضايا.

        من أهم المبادئ التـي نقف عليها بمجرد استقراء المدونة ، نجد حرص المشرع على الإسراع فـي البت، و ذلك من خلال وضع أجال محددة يجب على القضاء احترامها.
فالمادة 45 من المدونة أوجبت على الزوج إيداع المبلغ الذي تحدده المحكمة لفائدة الزوجـة و الأولاد داخل أجل 7 أيام و إلا اعتبر الزوج متراجعا عن طلب الإذن بالتعدد، و نجد أيضا المادة 83 التي تلزم الزوج بإيداع المبلغ الذي تحدده المحكمة داخل أجل أقصاه ثلاثون يوما كمستحقات للزوجة و للأطفال و إلا اعتبر متراجعا عن رغبته في الطلاق.
 كما نجد المادة 97 من مدونة الأسرة التي تنص على أن الفصل في دعوى الشقاق يجب أن يتم داخل أجل لا يتجاوز ستة أشهر من تاريخ تقديم الطلب.( 6 )
وفي التطليق لعدم الإنفاق نجد المادة102 من مدونة الأسرة التي تنص في فقرتها الثانيـة على أن المحكمة عليها أن تحدد للزوج أجلا لا يتعدى ثلاثين يوما حتى ينفق خلاله و إلا طلقت المحكمة عليه إلا في حالة وجود ظرف قاهر و استثنائي.
و في الفقرة الثالثة مـن نفس المادة تنص علـى أنه إذا امتنع الزوج عن الإنفاق و لم يثبت العجز تطلق المحكمة الزوجة حالا.
  و فـي نفس الإطار و احتراما لنفس الفلسفـة التي يرجى منها الإسراع في البت نجد المادة 112 من مدونة الأسرة بالنسبة للتطليق  بسبب الإيلاء و الهجر، فالمحكمة ملزمة بالبت بعد أشهر من تاريخ رفع الزوجة طلب التطليق إلى المحكمة.
 و في نفس السياق، نجد المادة 113 من م أ التي حددت الأجل الأقصى في دعاوى التطليـق باستثناء حالة الغيبة في أجل أقصاه ستة أشهر.
  إن تحديد آجال من شأنه أن يخلق في نفوس المتقاضيين ارتياحا، و يشجعهم على اللجوء إلى القضاء، لأن التجربة أثبتت أن المساطـر الطويلة لا تبعث على الارتياح و تدخل اليأس في نفوس الأشخاص، كما أنها تفقد الناس الثقة في مرفق القضاء (7).
   غير أن هذه السرعة ستظل مجرد حبر على ورق  في غياب جهاز قضائـي متخصص، من هنا تبرز الغاية من إحداث قسم قضاء الأسرة، فبسبب كون اختصاصـه مقصور علـى القضايا الأسرية ، فسيكون بإمكان المسئولين عليه وضع تنظيم داخلي يتوافق مع هذه السرعة.

الفقرة الثانية: التسهيل على المتقاضيين.

   إذا كان النظام القضائي السابق بشأن الأحوال الشخصيـة لم يهتم بجمع شتات أقسامها، فإن التوجيهات الملكية حثت على إدماج جميع الأقسام بقسم  واحد حتى يتم تسهيل المأمورية على المتقاضين بشأن كافة النزاعات الأسرية، سواء تعلقت بقيام رابطـة الزواج أو انفصامها أو شؤون القاصرين أوالتوثيق  أو قضايا الحالـة المدنيـة، و ذلك من أجل تفعيل نصوص المدونـة و جعل الآجال المسرة بها قابلة لأن تكون آجالا محترمة، و نافذة و ليس شكلية فقط.(8)
   إن التسهيل على المتقاضيين لا يشمل فقط جمـع شتات قضاء الأسرة فـي قسـم واحد بل يتعدى إلى التيسير على المتقاضيين من كل النواحي، كالتيسير في ميدان الإثبات، هذا الجانـب الذي كان يشكل عقبة كبيرة في مواجهة الزوجة خاصة في دعوى التطليق، بحكـم أن المشاكـل الزوجية قلما يطلع عليها الغير حتى يشهد عليها، و قد تنبـه المشرع لذلك، حيث فتح المجال لكل وسائـل الإثبات بما فـي ذلك الاستماع إلى الشهود فـي غرفـة المشورة، و هذا ما جاءت به المادة100من مدونة الأسرة التي تنص على أنه: 
         " تثبت وقائع الضرر بكل وسائل الإثبات بما فيها شهادة الشهود، الذين تستمع إليهم المحكمة في غرفة المشورة...".
 بل أن هذا التيسير بلغ إلى حد اعتماد مسطرة الشقاق التي لا تكلف الزوجة أي إثبات بـل ينوب الحكمان عن الزوجين في استقصاء أسباب الخلاف و بذل الجهد لإنهاء النزاع.
 إن إقرار قضاء أسري مستقل، ليس الغرض منه السرعة في البت و التسهيل علـى المتقاضيين فقط، و إنما يتعدى ذلك إلى أهداف غير مباشرة تتجلى في تحقيق العدل و الإنصاف و الحفاظ على كيان الأسرة من التفكك.وهذا ما سنراه في المطلب الثاني.

المطلب الثاني: الأهداف الغير مباشرة لاحداث قضاء الاسرة.

كما قلنا سابقا فإن الأهداف غيـر المباشرة لقضاء الأسرة تتجلـى فـي تحقيـق العدل والإنصاف ( الفقرة الأولى )، و الحفاظ على كيان الأسرة من التفكك ( الفقرة الثانية ).

 الفقرة الأولى: العدل و الإنصاف.

  إن روح مدونة الأسرة و إقرار قضاء مستقل تتجلى في تحقيق العدل و الإنصاف، و تحقيق المبادئ التي تسعى المدونة إلى تكريسها رهين بوجود قضاء فعال و نزيه و عدم تحيزه لصالح أحـد الأطراف، فنصوص عديدة وردت في المدونة تسعى إلى تحقيق هذا الهدف، مذو من بينها نجد المادة 41 ، التي تحث المحكمة على احترام الشروط الإسثتنائية للتعدد.
و من بينها أيضا، نجد ترسيخ دور القضاء في عملية الفرقة أنواعها، و حتى علـى مستوى الطلاق، إذ نجد ضرورة مراقبة القضاء لعملية الطلاق منذ بدايتها إلى نهايتها و هذا يظهر من خلال المواد من 78 إلى 89 إذ تواكب المحكمة العمليـة منذ تقديم الطلـب إلى محاولة الصلح و تحديد المستحقات و توثيق رسـم الطلاق حتـى إصدار قرار معلل قابل للطعن وفق الإجراءات العادية، بل أكثر من ذلك فقـد أوكل المشرع النظـر في التطليق و الطلاق علـى حد السواء للمحكمة التي تتكون من ثلاثة قضاة لتوفير ضمانات أكثر.
          و على اعتبار كون  مدونة الأسرة تسعى إلى إنصاف المرأة، و حمايـة كرامـة الرجـل و ضمان حقوق الطفل، فإن هذا الأخير أيضا تم إنصافه بأن أصبح مـن التزامات القضاء تقديـر تكاليف سكنى المحضون مستقلة عن النفقة و أجرة الحضانة و غيرها، و هو ما أقرته المادة168 من مدونة الأسرة، مع مراعاة مصلحة المحضون في إسناد الحضانة (المادة 170 من مدونة الأسرة).

 الفقرة الثانية: الحفاظ على كيان الأسرة من التفكك.

        يتجسد مبدأ الحفاظ على كيان الأسرة من التفكك من خلال تفعيل مسطرة الصلح.لكن رغم أن الطلاق الموقع  من أحد الزوجين مباشرة مرهون بالإذن القضائي، و بالرغم من أن القصد من هذا الإذن هو الحد من اللجوء للطلاق إثناء العازمين عليه  و إصلاح ذات البين بينهما،فإن هذا الإجراء المحدث بمقتضى تعديل 1993 ، لم يقدم عمليا، خدمات تذكـر للأسرة، و ذلك لعدة اعتبارات من بينها كثرة الملفات بما لا يسمح للقضاء بإفراد الوقت الكافي لكل ملف و محاولة التعرف على أسباب الخلاف الحقيقية، و إيجاد حل لها.
        من جهة أخرى ، و بالنظر لعدم توفر الأجهزة و الأطر الكافيـة القادرة علـى ردم الخلاف و إيجاد الحلول بطريقة عملية متينة، نجد مهمة القضاء في هذا الشأن محدودة جدا، و بالتالي تنحصر مسطرة الصلح في أحيان كثيرة في محاولات سطحية.
     و لقد أولت مدونة الأسرة لمسطرة الصلح أهميـة كبرى حفاظا على كيان الأسرة من التفكك، و تتدخل في مسطرة الصلح ثلاث مؤسسات تتمثل في:
   ٭- القاضي.                     ٭- الحكمين.                          ٭- مجلس العائلة.
  فالمدونة الحالية وسعت من الصلح و أعطت القضاء كامل الصلاحية في اختيار أي مؤسسة للصلـح دون قيد أو شرط، بل توسعت إلى أبعد مـن ذلك إذ فتحت المجال لكل من تراه مؤهلا لإصلاح ذات البين ( المادة 82 من مدونة الأسرة )، و بذلك منحت القضاء حرية تامة،  الغرض منها هو الإصلاح و إنقاذ الأسرة.
 و مما يدعم توجه المشرع في  الحفاظ على هذا الكيان أن المحكمة تقوم بمحاولتين للصلح تفصل  بينهما مدة لا تقل عن ثلاثين يوما في حالة وجود أطفال.
المبحث الثالث :هيكلة قسم قضاء الاسرة و الاختصاصات الموكولة له.

المطلب الأول : هيكلة قسم قضاء الاسرة

الفقرة الاولى :التنظيم الهيكلي لقضاء الأسرة قبل صدور القانونين 72/03 و 73/03.

       إن إحداث أقسام خاصة بالأسرة تم قبل صدور القانون 73/03  المتعلق بتعديل التنظيم القضائي.و هكذا كان هذا القسم يتكون من :

  • رئيس قسم القضاء الأسري و هو قاض . 
  • رئيس شعبة الأسرة و هو منتدب قضائي .
  • قاضي التوثيق و شؤون القاصرين بجميع آلياته .
  • نائب وكيل الملك .
  • كتابـة النيابة العامة .
  • مكتب الإرشاد .
  • مكتب التبليغ و التنفيذ .
  • مكتب النسخ  .
  • مكتب العدول [30] .

 

الفقرة الثانية:التنظيم الهيكلي بعد صدور القانونين 72/03و 73/03.

لقد أتى قانون 73/03 المتعلق بتعديل التنظيم القضائـي زيادة علـى حصر اختصاصات قضاء الأسرة بمقتضى قانونـي جد مهم يتمثل في منع الغرف الأخرى من النظر في القضايا الخاصة بأقسام قضاء الأسرة بحيث نص علـى ما يلـي: " يمكن لكل غرفة أن تبحث و تحكم في كـل القضايا المعروضة على المحكمة كيفما كان نوعها باستثناء ما يتعلق بأقسام قضاء الأسرة".
          كما أضاف القانون 72/03 المتعلق  بتعديل قانون المسطرة المدنيـة عناصر جديدة إلى الجهاز القضائي المتعلق بالأسرة .و انطلاقا مما سبق عملت وزارة العدل على وضع  التنظيم  الهيكلي لقضاء الأسرة و الذي يتكون مما يلي   :

 *  رئيس القسم و الذي يشرف على ما يلي :

      1- هيئة الحكم وهي المكلفة بقضايا الأحوال الشخصية و الميراث و كل ما لـه علاقـة برعاية و حماية الأسرة، و قضايا الحالة المدنية، و قضايا الكفالة .
      2- قاضي الأسرة المكلف بالزواج .
      3- القاضي المكلف بالتوثيق .
      4- القاضي المكلف بشؤون القاصرين .
      5- كتابـة الضبط : و التي تتكون من كتابة ضبط القسم، الصندوق ، مكتب الإرشادات ،
        مكتب الاستقبال ، مكتب النساخة .

* ممثل النيابة العامة ، و كتابة ضبط النيابة العامة .

*  كما تم إحداث قاضي خاص بتنفيذ الأحكام .

  و يلاحظ أن هذه الهيكلة حاولت تجميع كل الأجهزة التي لها علاقة بالأسرة فـي جناح واحد .
و سنحاول إعطاء بعض التوضيحات حـول أعضاء هذا القسم، مـن خلال التعريـف بالأعضاء الجدد، و إظهار ما تم تغيره في الأعضاء الموجودين سابقا .
يوجد في كل قسم من أقسام الأسرة رئيس يقوم بالإشراف على هذا القسم، و كذا تصريـف القضايا، و هو غالبا قاضي من الدرجة الثانية أو الثالثة [31]  .
و إلى جانبه يوجد ممثل النيابة العامة ، و قد يرى البعض أن هذا ليس بجديد ، فالهيكلة السابقة أيضا تحتوي على وكيل الملك ، لكن الفرق يكمن في حجم الاختصاصات التي أوكلت له ، و كـذا الصفة التي أصبح يتدخل بها في قضايا الأسرة ، وصحيح أنه لم توكل  له مهمة القيام بمحاولة  الصلح على عكس نظيره المصري [32] ، إلا أن هذا لا يقلل من مكانته داخل قسم قضاء الأسرة [33] .
وإذا  كان ضم الهيئة الثلاثية إلى هذا القسم اعتبر خطوة إيجابيـة و محمودة لما فيها مـن تجميع لشتات القضاء الأسري، غير أن هذا التجميع  في نظرنا يصعب تحقيقـه علـى المستـوى العملي، نظرا لعدم وجـود نص قانوني يمنـع باقـي أقسام قضاء الأسرة – الموزعين على أرجاء المملكة - من النظر  في القضية إذا ما رفعت القضيـة بقسم قضاء الأسرة بالرمانـي مثلا .
و كان ينبغي الاستفادة من المشرع المصري في هذا الصدد بحيث أنـه أشار في قانونـه الأسري في  المادة العاشرة منه إلى انعقاد الاختصاص بنظر دعاوى النفقة و الحضانة و كل  القضايا المترتبـة  علـى التطليق أمام المحكمة الابتدائية التي تنظر في الطلاق أو التطليق، و أوجب على المحاكم الأخرى إحالـة قضايا النفقة و الحضانة و غير ذلك من القضايا المطروحة أمامها  إلى المحكمة  الابتدائية التي تنظـر الى الطلاق أو التطليق [34] ، و هذا ما كرسه المشرع المصري من خلال مشروع محاكم الأسرة [35] .
 كما أن الهيكلة الجديدة تميزت بإضافة عضو جديد إلى قسـم قـضاء الأسرة، و نقصـد به هنا القاضـي المكلف بالزواج.هذا القاضي أعطيت له اختصاصات جد مهمـة سنتعرض لها لاحقا، كما أنه حسبما جاء في الفصل 179 من ق.م.م المعدل بمقتضى القانون 72/03 هـو أحد قضاة المحكمة الابتدائية يتم تعينه لهذه المهمة من قبل وزير العدل لمدة ثلاث سنوات.
كما تم الاحتفاظ أيضا  بقاضي التوثيق ضمن هذه الهيكلة و الملاحظ هو التقليص مـن حجـم اختصاصاته، وهو ما سنلاحظه عند تدارس اختصاصات القضاء الأسري .
كما تم الاحتفاظ أيضا بالقاضي المكلف بشؤون القاصرين، و قد تم الاحتفاظ بنفس كيفيـة تعيينـه التي  تخضع للفصل 182 من ق.م.م ، اضافة الى تدقيق اختصاصاته بحيث أصبحت محددة ومحصورة في الأمور المتعلقة بشؤون القاصرين فقط عكس ما  كان عليه الأمر سابقا، و خاصة إذا كانت المحكمة بمدينة صغيـرة ، حيث كانت تسند له إلى جانب مهمته الأصلية مهام أخرى كالتوثيق، و إصدار الأحكام في القضايا المعروضة على المحكمة [36] .
و رغبة في ضمان فعالية القضاء ، قام المشرع بالتنصيص على إحداث قاضي مكلف بمتابعة التنفيذ،  و ذلك بمقتضى القانون 72/03 الذي عدل مجموعـة من فصول ق.م.م ، ومـن بينها الفصل429 الذي أضيفت له فقرة جديدة تنص على ما يلي: « يكلف قاضي بمتابعـة إجراءات التنفيذ، يعين من طرف رئيس المحكمة الابتدائية باقتراح من الجمعية العامة » .
 و ما يلاحظ علـى هذه الفقرة هو أن مهام قاضي التنفيذ ليست مقصورة على قسم قضاء الأسرة ، بل تتعداه إلى سائر الأحكام الصادرة عن  المحكمة الابتدائية ، و  كان الأفضل إحداث قاض مكلف بالتنفيذ خاص بهذا القسم فقط ، نظرا لخصوصية القضايا الأسريـة التي تتطلب عناية  أكبر من  أجل ضمان تنفيذها و نظرا لحساسيتها .

المطلب الثاني : اختصاصات قسم قضاء الأسرة.

الفقرة الاولى : الاختصاص النوعي لأقسام قضاء الأسرة.

       في هذا المبحث سنتناول اختصاصات الموكولة للقضاء الأسري،حيث سنتحدث عن إختصاصات القضاء الفردي(أولا) ، و اختصاصات النيابة العامة(ثانيا) .
أولا: اختصاصات القضاء الفردي

أشار القانون 73/03 المعدل للتنظيم القضائي لاختصاصات قسم قضاء الأسرة و ذلك  كالتالي :  «تنظر أقسام قضاء الأسرة في قضايا الأحوال الشخصية ، والميراث ، والحالة المدنية وشؤون التوثيق والقاصرين  ، والكفالة وكل ماله علاقة برعاية وحماية الأسرة ».
      و يشمل القضاء الفردي : القاضي المكلف بالزواج ، وقاضي التوثيق، وقاضي شؤون القاصرين.

  • اختصاصات القاضي المكلف بالزواج 

 

من أهم المستجدات التي أتت بها مدونة الأسرة هي إحداث مؤسسة قاضي الأسرة المكلف بالزواج ويمكن إجمال الاختصاصات الموكولة إليه في كونه يعطي الإذن بإبرام عقد الزواج للشخص الذي تمنعه ظروف خاصة من إبرام عقد زواجه بنفسه وفق الشروط المحددة في المادة 17 من مدونة الأسرة بتأشيره على الوكالة بعد تأكده من توفرها على الشروط المطلوبة على أنه يمنع عليه أن يتولى بنفسه تزويج من له الولاية عليه من نفسه ولا من أصوله ولا من فروعه تطبيقا للمادة 18 من مدونة الأسرة .
كما له أن يأذن بزواج الفتى والفتاة دون 18 سنة مع تبيين المصلحة والأسباب المبررة لذلك تطبيقا للمادة 20 من مدونة الأسرة.ويبت قاضي الأسرة المكلف بالزواج في حالة عدم موافقة النائب الشرعي للقاصر على طلب الإذن بالزواج ، وعند عدم حضوره إبرام العقد حسب ما جاءت به المادة 21 من مدونة الأسرة.وله أن يأذن بالزواج بالنسبة للشخص المصاب بإعاقة ذهنية ذكرا كان أو أنثى بعد تقديم تقرير حول حالة الإعاقة من طرف طبيب خبير أو أكثر تطبيقا للمادة 23 من مدونة الأسرة.و أخيرا، فعليه أن يؤشر قبل الإذن بالزواج على الوثائق المتطلبة من أجل إبرام العقد وإعطائه الإذن للعدلين بتوثيق عقد الزواج وهذا ما جاءت به المادة 65 من مدونة الأسرة .

  • اختصاصات قاضي التوثيق :

 

يمثل قاضي التوثيق جهة قضائية مسؤوليتها تكمن في التثبت من استيفاء الوثيقة العدلية لأركانها وشروطها ومراحلها تحملا وأداء ، ومدى تقيد كل من العدول والنساخ بالضوابط التوثيقية الشرعية والقانونية ، والملاحظ أن القاضي المسؤول عن هذه المؤسسة يكون دائما ذكرا نظرا لبعض المهام الملقاة على كاهله والتي لها صبغة دينية تشترط فيها الذكورة الشيء الذي جعل بعض الجمعيات النشيطة في مجال المرأة والأسرة والمساواة بين الجنسين تطالب بأن تكون هناك قاضية للأسرة مكلفة بالزواج، وقاضية للتوثيق بالموازاة مع القضاة الذكور في نفس المجال مع العلم أنه ليس هناك ما يمنع قانونا من تولي المرأة لهذه المهام.
وبمقتضى قانون المسطرة المدنية وقانون التنظيم القضائي فإن قضاة الأحكام أربعة : قضاة أحكام ، وقضاة التوثيق ، وقضاة الشؤون القاصرين ، وقضاة الأسرة المكلفين بالزواج .
ويستشف من هذا أن قضاء التوثيق هو إدارة قضائية تعنى بمراقبة ما تم توثيقه أو الإشهاد عليه من حقوق ومعاملات وتصرفات ووقائع على الشكل والمضمون الذي يحدده القانون وتختص هذه المؤسسة عمليا بمراقبة مرفقين مرتبطين بها وهما مؤسسة خطة العدالة ومؤسسة النساخة .
 ونلاحظ أن المشرع في المدونة الجديدة قلص من الاختصاصات الممنوحة لهذا القاضي وأعطاها إما إلى الهيئة الثلاثية وإما إلى القاضي المكلف بالزواج   .
فمن الاختصاصات التي نزعت منه لصالح الهيئة الثلاثية (المحكمة) نجد الإذن بالطلاق الذي يوقعه الزوج، وطلاق الخلع مع ما يستتبع ذلك من القيام بالصلح بين الزوجين والاستماع إلى الشهود، والقيام بباقي الإجراءات المنصوص عليها في المواد من  78 إلى 89 من مدونـة الأسرة، كانتدابها حكمين أو مجلس العائلة، أو من تراه أهلا لإصلاح ذات البين، وتحديدها تكاليف سكن الزوجة، و الأطفال عند الاقتضاء ، و كذا تحديدها مستحقات الأطفال  .
وأيضا إذنها للزوجة بإيقاع طلاق نفسها آخذة بشرطها في حالة ما إذا كانت العصمة بيدها ( المادة 89 من مدونة الأسرة ) ، و من الاختصاصات التي انتزعت منه لصالح القاضي المكلف بالزواج نجد إذنه بزواج من لم يبلغ سن الزواج ( المادة 20 من مدونة الأسرة )، و بته في زواج القاصر في حالة امتناع النائب الشرعي من تزويجه ( المادة 21 من م أ ) ، وإذنه بزواج المصاب بإعاقة ذهنية ( المادة 23 من مدونة الأسرة ) .
أما الاختصاصات التي بقيت له حسب المدونة الجديدة فهي كالتالي :

  • - نصت المادة 67 من م أ التي تتعلق بما ينبغي أن يتضمنه عقد الزواج علـى ضرورة وجود خطاب القاضي على رسم الزواج و طابعه ، و بالتالي نستنتج أن قاضي التوثيق هو المكلف بالخطاب على عقد الزواج .
  • - حسب المادة 87 من م أ يقوم قاضي التوثيق بالخطاب على وثيقة الطلاق بعد أن تأذن المحكمة بتوثيقه لدى العدلين ، ثم يقوم بعد ذلك بتوجيه نسخة من هذه الوثيقـة إلـى المحكمة التي أصدرت الإذن بالطلاق .
  • - قاضي التوثيق هو الذي يقوم بالخطاب على وثيقة الرجعة بعد أن يقوم باستدعاء الزوجة لإخبارها برغبة الزوج في إرجاعها ( المادة 124 من م.أ )

.
 و يجد تقليص اختصاصات قاضي التوثيق تفسيره بالرجوع إلى ما ورد في الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، حيث نجد المطالبة ب " الاعتراف للنساء القاضيات بإمكانية ممارسة مهمة التوثيق في مادة الأحوال الشخصية ".
و قد كان رد اللجنة العلمية كالتالي : " إن المجتمع المغربي المسلم لا يقبل أن تجلس قاضية على كرسي التوثيق، و كرسي التوثيق منه يخرج خطيب العيدين، و خطيب الاستسقاء، و هو قاضي القاصرين، و هو ولي من لا ولي له ".
و بالتالي فإن قيام المشرع بتقليص اختصاصات هذا القاضي  يعتبر حلا ذكيا نظرا لنجاحه في التوفيق بين الاتجاهين، غير أن ما يعاب على المشرع هو عدم تحديد اختصاصات هذا القاضي بدقة ، و ذلك لأنه لم يضف عليه تسميته ، بل يمكن استنتاج كونه مختصا مـن عبارة " خطاب ".

  • اختصاصات قاضي شؤون القاصرين :

 

وهي اختصاصات شبيهة إلى حد ما بالاختصاصات التي كانت لـه قبل صدور مدونة الأسرة مع زيادة التدقيق، فهو الذي يأمر بفتح النيابات القانونية وكذا مراقبتها ، فالفصل 184 من ق.م.م المعدل بقانون 72/03 ينص على أنه : " يفتح بقسم قضاة الأسرة بالمحكمة الابتدائية ملف لكل نيابة قانونية ويقيد سجل خاص يمسك لهذه الغاية " كما أن المواد 240 و 241 و 243 و 250 من مدونة الأسرة تؤكد على فتح ملف للنيابة القانونية وفق شروط معينة من قبل القاضي المكلف بشؤون القاصرين، وبالتالي فهذا القاضي ملزم بالأمر بفتح ملف لكل نيابة وذلك في حالة وفاة الأب أو في حالة وفاة أم طفل بدون نسب وكذا في حالة الحجر على الأبوين ، وأيضا في حالة إهمال الطفل ، وعليه  فهو ملزم بالإشراف على هاته  النيابات القانونية  ومراقبتها ، ومن اختصاصاته أيضا نجد الإشراف على التركات بعد وفاة صاحبها إلى حين تصفيتها وتقسيمها، فحسب المادة 372 من مدونة الأسرة، فلقاضي شؤون القاصرين اتخاذ جميع التدابير المستعجلة والضرورية للمحافظة على التركة ، وحتى يتمكن قاضي شؤون القاصرين من أداء مهامه فقد خوله القانون صلاحية إصدار مجموعة من الأوامر بحيث له الصلاحية في الأمر بإجراءات تحفظية ، مثلا الأمر بإقامة رسم عدة الورثة وذلك حسب المادة 267   ، والأمر بإحصاء التركة حسب المادة 249 من م.أ   ، والأمر بوضع الأختام على التركة إذا كان هناك وارث قاصر حسب المادة 372   ، وله أيضا صلاحية الأمر بتثبيت الوصي وتعيين المقدم المشرف بحسب المادة 237 من مدونة الأسرة والتي  تنص  على أن القاضي يصدر أمره بتثبيت الوصي بمجرد وفاة الأب وعدم وجود الأم ، وذلك بعد التأكد من توفر الوصي المعين بوثيقة الايصاء على الشروط المنصوص عليها في المادة 246 من م. أ ، وانتفاء الموانع المنصوص عليها في المادة 247 من نفس القانون ، وفي حالة عدم وجود الوصية وعدم وجود الأم ، فإن قاضي القاصرين يقوم بتعيين مقدم يسند له إدارة الشؤون المالية للقاصر وتطبيقا للمادة 244 من م.أ .
وله سلطة الأمر بإجراء حجز تحفظي على الأموال الخاصة بالوصي أو المقدم أو وضعها تحت الحراسة القضائية ، أو فرض غرامة تهديدية عليه إذا امتنع على الإدلاء بإيضاحات عن إدارة أموال المحجور أو تقديم حساب حولها ، أو إيداع ما بقي لديه من أموال المحجور وذلك بعد توجيه إنذار إليه يبقى دون مفعول داخل الأجل المحدد له ، وله أيضا صلاحية الإذن للقاصر بإدارة أمواله وفق المادة 226 من مدونة الأسرة ، وأخيرا للقاضي المكلف بالقاصرين صلاحية الأمر ببيع أموال القاصر، وذلك حسب المواد 271 و 272 و 273 و 274 و 275 من مدونة الأسرة.
ونشير أخيرا إلى أن القرارات التي يصدرها القاضي المكلف بشؤون القاصرين طبقا للمواد 226 و 240 و 268 و 271 من مدونة الأسرة تكون قابلة للطعن .
ثانيا: اختصاصات النيابة العامة .

لقد أوكل المشرع للنيابة العامة اختصاصات مهمة ، والملاحظ أن اختصاصات النيابة العامة المتعلقة بالقضايا الأسرية لا تجد مصدرها فقط في مدونة الأسرة بل خارجها أيضا، خصوصا إذا ما استحضرنا القانون 73/03 المعدل للتنظيم القضائي للمملكة والذي نص على أنه  : " تنظر أقسام الأسرة في قضايا الأحوال الشخصية والميراث والحالة المدنية، وشؤون التوثيق والقاصرين والكفالة ، وكل ما له علاقة برعاية وحماية الأسرة ".    
فانطلاقا من هذا القانون يتضح أن قضاء الأسرة لا يقتصر على مدونة الأسرة فقط ، وإنما يمتد ليشمل كل المواضيع المرتبطة بالأسرة ، وكذا القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام الحالة المدنية وكفالة الأشخاص من المهملين، وقانون الجنسية والميراث وشؤون القاصرين والتوثيق .
وعموما فاختصاصات النيابة العامة تشمل  مدونة الأسرة وقوانين أخرى.فأما بالنسبة لمدونة الاسرة فقد وردت اختصاصات النيابة العامة في 25 مادة ، وذلك انطلاقا من المادة 3 من مدونة الأسرة التي تنص على ما يلي : «تعتبر النيابة العامة طرفا أصليا في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام المدونة». فحسب هذه المادة تعتبر النيابة العامة طرفا رئيسيا في جميع القضايا المتعلقة بأحكام مدونة الأسرة، وبالتالي فمن حقها أن تبدي طلباتها وأن تدلي بحججها في الدعوى، وكذا لها الحق في ممارسة الطعن في الأحكام والقرارات المدنية التي تصدر ضد طلباتها [37].
وباستطلاع الأربع وعشرين فصلا الأخرى نجد أن دور النيابة العامة في جلها يرمي إما إلى حماية أحد الزوجين أو إلى حماية الأطفال، أو إلى حماية أموال القاصر.
وأما بالنسبة للقوانين الاخرى فالنيابة العامة لها اختصاصاتها أيضا حسب قانون كفالة الأطفال المهملين ، وحسب قانون الحالة المدنية ، ثم حسب قانون الجنسية.
ولا أريد الاطالة في هذا الموضوع لان هناك عرض مخصص سيلقيه الطلبة حول تدخل النيابة العامة في قضايا الاسرة.و يمكن الرجوع اليه للإطلاع بالتفصيل على اختصاصات النيابة العامة.
و المهم فالملاحظ أن اختصاصات النيابة العامة متشعبة و متنوعة، وشاملة لكل القضايا المتعلقة بقضايا الأسرة ، لذا فإننا نستغرب من وجود ممثل وحيد للنيابة العامة داخل قسم قضاء الأسرة   .


الفقرة الثانية : الاختصاص المكاني أو المحلي لقضاء الأسرة .

الاختصاص المحلي أو الاختصاص المكاني، والترابي أو الإقليمي ، يخضع لقاعدة أساسية هي "مبدأ اختصاص محكمة موطن المدعى عليه"(أولا)، وللاستثناءات التي ترد على هذه القاعدة(ثانيا).
 
 
أولا : مبدأ اختصاص محكمة موطن المدعى عليه.

ومفاد هذا المبدأ حسب مقتضيات الفصل 27 من قانون المسطرة المدنية أن المحكمة المختصة إقليميا أو محليا للنظر في الدعوى هي المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها المكاني الموطن الحقيقي للمدعى عليه أو موطنه المختار،وهذا ما نص عليه المشرع المغربي في الفصل 27 من ق.م.م والذي ورد فيه :"
يكون الاختصاص المحلي لمحكمة الموطن الحقيقي أو المختار للمدعى عليه.
إذا لم يكن لهذا الأخير موطن في المغرب ولكن يتوفر على محل إقامة كان الاختصاص لمحكمة هذا المحل.
إذا لم يكن للمدعى عليه لا موطن ولا محل إقامة بالمغرب فيمكن تقديم الدعوى ضده أمام محكمة موطن أو إقامة المدعى أو واحد منهم عند تعددهم.
إذا تعدد المدعى عليهم جاز للمدعي أن يختار محكمة موطن أو محل إقامة أي واحد منهم".
ويرجع إقرار هذا المبدأ من جهة إلى القاعدة التقليدية المعروفة التي مؤداها أن المدعي يتبع المدعى عليه إلى محكمته، لأنه لا يعقل تحميل المدعى عليه  مشاق ومتاعب ومصاريف الانتقال إلى محكمة المدعي لمواجهة دعواه التي قد لا تكون وجيهة، ومن جهة أخرى فان الأصل هو براءة الذمة، مما يفترض معه أن المدعى عليه محق في موقفه إلى حين إثبات عكس ذلك،ولا يؤثر تغيير المدعى عليه موطنه أو محل إقامته على مسالة الاختصاص المكاني على مسألة الاختصاص المكاني لنظر الدعوى بعد تقديمها ضده في محكم بموطنه.
وموطن الشخص العادي الذي هو الموطن بالمفهوم العام هو محل سكناه ولو مؤقتا ، ولو لم يستقل به وحده، وكذا مركز أعماله المعتاد، ويعتبر موطن الزوج موطنا لزوجته أو زوجاته أو أولاده وخادميه، وقد تتعدد المحاكم المختصة في حالة تعدد محلات الشخص.
وان كان يوجد إلى جانب الموطن العام ما يسمى بالموطن الخاص المنصوص عليه في الفصل 519 ق.م.م  مثل المحل التجاري أو محل تعاطيه حرفة معينة، حيث ترفع عليه الدعاوى المتعلقة بناشه المهني، ولا ترفع الدعاوى المتعلقة بحقوقه العائلية أو أحواله الشخصية إلا في أمام محكمة موطنه العام، الذي يحددها القانون في بعض الحالات، كما سنرى في الاستثناءات الواردة على مبدأ اختصاص محكمة موطن المدعى عليه.

ثانيا : الاستثناءات الواردة على قاعدة مبدأ اختصاص موطن المدعى عليه.

ترد على مبدأ اختصاص موطن المدعى عليه عدة استثناءات نص عليها الفصل 28 من ق.م.م.وسنذكر الدعاوى فقط المتعلقة بقضاء الأسرة.
حيث جاء في مقتضيات الفصل 28 من ق.م.م :" تقام الدعاوى خلافا لمقتضيات الفصل السابق أمام المحاكم التالية :
.....................       
البند  3 – في دعوى النفقة أمام محكمة موطن أو محل إقامة المدعى عليه أو موطن أو محل إقامة المدعي باختيار هذا الأخير،
البند  10 -  في دعاوى التركات، أمام محكمة محل افتتاح التركة.
البند  11 – في دعاوى انعدام الأهلية، والترشيد، والتحجير، وعزل الوصي أو المقدم، أمام محكمة محل افتتاح التركة أو أمام محكمة موطن أولائك الذين تقرر انعدام أهليتهم باختيار هؤلاء أو ممثلهم القانوني، وإذا لم يكن لهم موطن في المغرب، فأمام محكمة موطن المدعى عليه."
 
 
 
خاتمة

وأخيرا فمن خلال ما سبق يتبين لنا الدور الذي يلعبه قسم قضاء الاسرة باعتباره مكونا اساسيا لضبط العلاقات الاسرية و الفصل في النزاعات خاصة في ظل هذا العصر الذي فسدت فيه الذمم وظلم فيه الكثير من الافراد داخل الاسر لاسيما المرأة والطفل اللذان عانيا كثيرا في ظل مدونة الاحوال الشخصية.ويمكن القول ان صدور مدونة الاسرة و المستجدات التي جاءت بها لا يمكن ان يتحقق الهدف من تشريعها بدون قضاء اسري مستقل يدعم السير الفعال لمقتضياتها ويحمي جميع اطراف النزاع.ومع ذلك يبقى النص القانوني بعيدا عن الواقع العملي فقد قلنا ان من اهداف احداث القضاء الاسري حماية الاسرة من التفكك ولكن الواقع يعكس غير ذلك اذ ازدادت نسبة الطلاق بوثيرة خطيرة في السنوات الاخيرة مما ينبئ بوجود خلل يجب معالجته في اقرب وقت.ومهما كان فيبقى احداث قسم قضاء الاسرة خطوة ايجابية خطاها المشرع المغربي،مع ان حماية الاسرة من التفكك وتحقيق العدل و الانصاف اهداف يجب ان يساهم في تحقيقها كافة عناصر المجتمع و مؤسساته و اجهزته اذ القانون وحده لا يقدر على حل هذه المشاكل الاسرية المعقدة.
 
 
المراجع

  1. القضاء المغربي بين الأمس و اليوم،حماد العراقي
  2. كتاب العز و الصولة للمؤرخ عبد الرحمن ابن زيدان
  3. روضة الافنان في وفيات الاعيان لمحمد أحمد الاكراري
  4. المجموعة الفقهية في الفتاوى السوسية،المختار السوسي
  5. التنظيم القضائي باختلاف مناطق النفوذ الاستعماري
  6. المختصر في التنظيم القضائي المغربي،لحسن الرميلي
  7. قضاء الأسرة في التشريع المغربي لرشيد مشقاقة
  8. شرح قانون المسطرة المدنية " لعبد العزيز توفيق ، مطبعة النجاح الجديدة، الدارالبيضاء
  9. قانون الطلاق بالمغرب بين مدونة الأحوال الشخصية و الجدل حول التغيير" لخالد برجاوي 
  10. الإجراءات الإدارية والقضائية لتوثيق الزواج " لمحمد الشتوي
  11. التوثيق العدلي في المغرب بين مؤسسة قاضي التوثيق ومؤسسة خطة العدالة ومؤسسة النساخة
  12. العلمي الحراق: مقال بعنوان" مؤسسة قاضي التوثيق و آفاقها المستقبلية على ضوء مدونة الأسرة
  13. الزواج في مدونة الاسرة – الدكتور محمد الشافعي
  14. محمد المحجوبي, القانون القضائي الخاص, الكتاب1, الطبعة الأولى, سنة 2005, دار القلم
 
 
الهوامش

[1]القضاء المغربي بين الأمس و اليوم،حماد العراقي،ص:13 و 14.
[2] ولد بحاضرة مكناس. كان سلطاناً مغربياً من سلالة العلويين، حكم منذ عام 1757 حتى 1790. كما كان حاكماً لمراكش عام 1750 . تولى الحكم منذ عام 1746، ولمدة 44 عاماً.
 انظر كتاب العز و الصولة للمؤرخ عبد الرحمن ابن زيدان. [3]
[4] فأما الحسبة فتقابل في النظم الحديثة النيابة العامة لان ولاية الحسبة تقوم على فكرة الرقابة.وأما ولاية الشكايات أو الخصومات فتختص في الفصل في نزاعات الناس بعد ادعائهم الخصومة ويتبع فيها القاضي اجراءات التقاضي التي تعرف اليوم بأصول المحاكمات.وأما ولاية المظام فتقابل اليوم في النظم الحديثة القضاء الاداري ومجلس أمن الدولة أو محكمة العدل العليا.وتختص بالنظر في الخصومات التي تكون بين المواطن والولاة.
العرف و العمل في المذهب المالكي،عمر الجيدي،ص :237 و 238[5]
 روضة الافنان في وفيات الاعيان لمحمد أحمد الاكراري،ص:107.[6]
 انظر المجموعة الفقهية في الفتاوى السوسية،المختار السوسي،ص:193.[7]
[8]اختلف التنظيم القضائي باختلاف مناطق النفوذ الاستعماري.وهي كالتالي:
1-
القضاء بالمنطقة الجنوبية :تميز هذا التنظيم بالمحافظة على المحاكم الشرعية (نظام فردي)، المحاكم المخزنية والمحاكم العبرية، لكنه تم إلغاء المحاكم القنصلية، كما تم استحداث محاكم جديدة هي المحاكم العرفية والمحاكم العصرية ومحكمة الاستئناف الشرعي( نظام جماعي)
2- التنظيم القضائي بالمنطقة الشمالية أوالخليفية:انتظم العمل القضائي بهذه المنطقة بأربع جهات هي: المحاكم الشرعية، المحاكم المخزنية، المحاكم العبرية ثم المحاكم الاسبانية الخليفية ( كانت تتألف من محاكم الصلح، محاكم ابتدائية ومحكمة الاستئناف بتطوان).
3-
القضاء بمنطقة طنجة الدولية:نصت الاتفاقية الفرنسية-الاسبانية مع بريطانيا في دجنبر 1922م ـ في فصلها الثامن والأربعون ـ على إحداث محكمة دولية مختلطة يعهد إليها بتنظيم شؤون العدل بطنجة بالنسبة للأجانب والمحميين المغاربة، ومن مميزات هذه المحكمة أن أحكامها لم تكن قابلة للنقض. ثم صدر ظهير في 10يونيو 1953م نظم القضاء في عدة أنواع من المحاكم هي : محكمة الصلح، محكمة ابتدائية، محكمة استئناف ومحكمة الجنايات.
[9] المختصر في التنظيم القضائي المغربي،لحسن الرميلي1/4
[10] بهذا الظهير تم إنشاء درجة ثانية تستأنف إليها أحكام المحاكم الابتدائية المتعلقة بالأحوال الشخصية والميراث لليهود المغاربة .و بهذا التنظيم الجديد أصبحت المحاكم العبرية تنقسم إلى قسمين : محاكم عبرية ابتدائية و محاكم عبرية عليا .
 التنظيم القضائي في المغرب،ص :37.[11]
 تنظر في جميع القضايا المدنية و التجارية و الجنائية.[12]
 القضاء المغربي بين الامس و اليوم،ص:38-39.[13]
[14] ملاحظات و استنتاجات :
ترأس اللجنة الملكية التي قامت بإعداد أول مدونة شخصية علال الفاسي وكان عدد اعضائها 8 أعضاء.
ذيل كل من الكتاب الثاني و الرابع و الخامس و السادس بفصل ينص على أن ”كل ما لم يشمله هذا القانون يرجع فيه الى الراجح أو المرجوح أو ماجرى به العمل من مذهب الامام مالك.“
ساهمت كافة الجهات الحكومية لتعزيز الحماية القانونية للمدونة عن طريق :وزارة التعليم: عبر المناهج والبرامج التعليمية ووزارة الأوقاف: عبر المحاضرات الدينية وباقي القطاعات الوزارية الاخرى : ركزت جهودها لدعم الاسرة من خلال المدونة.
اضفي على المدونة طابع القدسية إذ استمر العمل بها على الوجه الذي خرجت عليه مدة 36 سنة وباءت كل محاولات الاصلاح بالفشل.
[15] الوصف الخارجي لمدونة الاحوال الشخصية:تتكون المدونة من ستة كتب ويحتوي كل كتاب على أبواب مختلفة الاعداد ويمكن توضيحها كما يلي :
الكتاب الاول في الزواج ويضم ثمانية ابواب، الكتاب الثاني في انحلال ميثاق الزوجية وأثاره ويضم ستة ابواب،الكتاب الثالث الولادة ونتائجها ويضم خمسة أبواب، ،الكتاب الرابع الاهلية والنيابة الشرعية و يضم تسعة أبوابا،لكتاب الخامس في الوصية ويضم سبعة أبواب،الكتاب السادس في الميراث ويضم تسعة أبواب.
 مبادرة رؤساء المحاكم المغربية.[16]
 مبادرة وزير العدل أنذاك.[17]
[18] هذه التعديلات لم تكن جذرية بل اقتصرت على بعض الفصول دون غيرها.و ركزت هذه التعديلات على مايلي :
الزواج : تم إقرار قيدين على التعدد، فاشترط المشرع على الزوج ضرورة إخبار الزوجة الأولى برغبته في الزواج عليها، وأهم مستجد في هذه المادة يتمثل في أن التعدد في كل الأحوال، لا يمكن أن يتم إلا بعد الحصول على إذن القاضي بذلك .وفي الطلاق : وضعت مدونة الاحوال  حدا للطلاق الغيابي الذي كان يعطي الصلاحية للزوج لتطليق زوجته غيابيا.ا وفي لحضانة : أصبح الأب يحتل المرتبة الثانية بعد الأم في ترتيب الحاضنين (ف 99 ), بعدما كان يحتل المرتبة السادسة قبل تعديل 1993.كما تم تحديد سن الحضانة في 12سنة للفتى و 15 سنة للفتاة بعدها يختار الاثنان الطرف الذي يريدان العيش معه.وفي  النفقة : أصبح بالإمكان رفع دعوى استعجاليه قصد الحكم بالنفقة وأسند للقاضي السلطة التقديرية في تحديدها .
ثم احداث مجلس العائلة الذي تتلخص مهمته في مساعدة القاضي في تدبير شؤون ونزاعات الاسرة.(ف 156)
[19] انحصرت تعديلات مدونة الاحوال الشخصية لسنة 1993 في الموضوعات التالية :
الزواج : تم تعديل الفصول:  05 - 12 - 30 - 41 ، الطلاق : تم تعديل الفصلين : 48 – 52 ،الولادة ونتائجها : تم تعديل الفصول:   99 - 102 - 119
الاهلية والنيابة الشرعية  : تم تعديل الفصلين : 148- 156
[20] صدرت المدونة بمقثظى ظهير شريف رقم 22-04-1 الصادر في 12 من ذي الحجة 1424 (3 فبراير 2004) القاضي  بتنفيذ القانون رقم 03-70 بمثابة مدونة الأسرة. ومن أهم الملاحظات التي يمكن استنتاجها حول هذا التعديل :
   - تضمنّت المدونة الديباجة و باباً تمهيدياً للأحكام العامّة، وسبعة َ كتب مقسم كلّ منها إلى أقسام مبوَّبة بدورها إلى أبواب  مشتملة على عدد من المواد التي بلغ مجموعها 400 مادة ملحقة بالقرارات و المراسيم المتعلقة بمدونة الاسرة.
   - يمكن تلخيص اهم تعديلا ت المدونة فيما ثلاث محاور رئيسية :
المحور الاول : المساواة بين الزوجين وذلك من خلال :
تحديد سن الزواج لكل من الزوجين في 18 سنة،وضع الأسرة تحت رعاية ومسؤولية الزوجين،رفع الوصاية والحجر على جميع النساء الراشدات، وضع الطلاق تحت مراقبة القضاء، استفادة الزوجة المطلقة من الأموال المكتسبة أثناء قيام الزوجية.
المحور الثاني : توازن الأسرة من خلال :
جعل النيابة العامة طرفا أصليا في جميع القضايا الرامية  إلى تطبيق المدونة، إحداث أقسام لقضاء الأسرة بالمحاكم، الاعتراف بالزواج المدني المبرم من طرف أفراد الجالية  المغربية لدى السلطات المحلية في بلدان الإقامة.
المحور الثالث : حماية الطفل من خلال :
الأخذ بعين الاعتبار الوضع الاجتماعي للطفل عند افتراق الأبوين سواء من حيث السكن أو مستوى العيش الذي كان عليه قبل الطلاق.
 الاعتراف بنسب الطفل المولود في مرحلة الخطبة.
[21] وصدر ايضا قانون الجنسية. وقانون المسطرة الجنائية والقانون الجنائي كما تتوجت هذه الحقبة بصدور أو دستور مغربي سنة 1962.
[22] قانون التوحيد على توحيد القضاء الذي كان مشتتاً وتوحيد أجهزة القضاء , وتركبت المحاكم الموحدة من محاكم السدد و محاكم الإقليمية و محاكم الاستئناف و المجلس الأعلى .
[23] قانون المغربة فقد نص على أنه لا يمكن ممارسة وظيفة قاض من لا يحمل جنسية مغربية.وجاء قانون التعريب لإعادة الاعتبار للغة العربية وستصبح لغة رسمية في المحاكم المغربية " في المرافعات والمداولات والأحكام " .
 
[24] تتكون المحاكم الابتدائية من: رئيس ونواب رئيس وقضاة ؛  نيابة عامة تتكون من وكيل للملك ونائب أو عدة نواب؛  كتابة الضبط؛ كتابة النيابة العامة.
 
[25] تقوم المحاكم الاستئنافية بصفتها محكمة من درجة ثانية للتقاضي بدراسة القضايا التي تم البت فيها  ابتدائيا من قبل المحاكم الابتدائية للمرة الثانية . وبذلك تنظر استئنافيا في الأحكام التي تصدر عن هذه المحاكم أو عن رؤسائها. إضافة إلى تخصص النظر في طلبات الفصل في تنازع الاختصاص.
[26] أحدثت بمقتضى ظهير 10نونبر 1956م، وهو بمثابة قانون القضاء العسكري، وتم تغييره بمقتضى قانون صدر في 26يوليوز 1971م.
[27] هي مؤسسة نص عليها الدستور(ف88 إلى ف92)، كما صدر قانون تنظيمي لها بتاريخ 8أكتوبر 1977م والذي يحدد المسطرة الواجب إتباعها أمامها.
[28] لقد توج الجدل الحاد الذي أثاره قانون الاحوال الشخصية بين أنصار الاتجاه المحافظ وأنصار الاتجاه الحداثي بصدور مدونة الاسرة الجديدة بعد الإعلان الملكي بقبة البرلمان في 2003/10/10 عن التعديلات الجوهرية في مدونة الأسرة.
وقد أجمع الجميع على أنه قانون متميز، وأنه نجح في التوفيق بين الاتجاهين، بحيث اعتبر في مضمونه مسايرا لواقع العصر، ومتوافقا مع الاتفاقيات الدولية، وفي عمقه مستمدا من الشريعة الإسلامية.
 
 قضاء الأسرة( التنظيم-الأهداف-الاختصاص) [29]
[30]  قضاء الأسرة في التشريع المغربي لرشيد مشقاقة ص 13.
[31]   " قضاء الأسرة في التشريع المغربي " لرشيد مشقاقة ص 17 .
[32]  " انطلاق محكمة الأسرة المصرية في 2004 " لعبير صلاح الدين ، الاتحاد الاشتراكي ، ع 7459، 14 يناير   2004، ص 7
[33]  المدونة الجديدة الأسرة ، سلسلة النصوص التشريعية و التنظيمية ، ع 34، 2004، ص165، منشورات المجلة المغربية لقانون الأعمال و المقاولات .
[34]  " قضاء الأسرة في التشريع المغربي " لرشيد مشقاقة ص 09 .
[35]  " انطلاق محكمة الأسرة المصرية في 2004 " لعبير صلاح الدين ، الاتحاد الاشتراكي ، ع 7459،     14 يناير   2004، ص 7 .
 [36]  " التعليق على قانون الأحوال الشخصية " لأحمد الخمليشي  ، ج 2 ، ط1، 1994، ص 357، نشر دار المعرفة ، الرباط .
[37] " شرح قانون المسطرة المدنية " لعبد العزيز توفيق ، مطبعة النجاح الجديدة، الدارالبيضاء،  ج 1، ط2، ص 94 .

عن موقع :  marocdroit.com