الأحد، 1 يونيو 2014

دعوى ثبوت الزوجية : المأزق التشريعي و البديل المقترح - د. عبد الحكيم الحكماوي


قواعد المقال :
- القاعدة القانونية الوقتية لا يجب أن ترتبط بقواعد الشكل لما لذلك من تأثير على الحق في الولوج إلى القضاء
- القاعدة القانونية الحاكمة في الوقائع المتجددة بحكم طبيعتها أو بحكم القيم الاجتماعية السائدة لا يجوز جعلها وقتية حتى لا تخرج الأوضاع الناشئة عن ذلك التجدد إو تلك القيم عن نطاق القانون



الدكتور عبد الحكيم الحكماوي
نائب أول لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط
استاذ جامعي زائر بكلية الحقوق سلا
باحث قانوني


تحتل مؤسسة الزواج مكانة مهمة ليس في حياة الإنسان الفرد فقط ، و إنما في حياة المجتمعات برمتها على اعتبار أنها البذرة الأولى التي تضمن استمرار تلك المجتمعات ؛ لذلك فهي تحظى بالاهتمام اللازم و الرعاية الكافية الكفيلين بجعلها ترقى إلى مكانة التقديس الذي يرتبط بها سواء من حيث تعريفها أو حتى أحكامها .

و لما كان الزواج بهذا القادر من الأهمية فإنه كان و لا يزال محط اهتمام من طرف جميع الحساسيات الاجتماعية بكل توجهاتها و إن اختلفت الرؤى بشأنه ، لكن الأكيد هو الاتفاق على تنظيم أحكامه تنظيما محكما يضمن لكل طرف فيه حقوقا و يحمله التزامات تتناسب و المركز الذي يحتله داخل المنظومة الاجتماعية الأسرية . و هكذا فقد أولى المشرع  المغربي اهتماما خاصا بتنظيم الأحكام القانونية المؤطرة للزواج شروطا و شكليات ، حتى لإنه لم يذهب في الاتجاه الغربي القائم على فكرة الأسرة الليبرالية المستندة إلى قواعد القانون المدني الخالص ؛ و إنما بقي وفيا لروح الشريعة و أحكامها المرتبطة بالزواج و الأسرة عموما ، كما حافظ على الكثير من الخصوصيات المغربية الأصيلة التي تساهم في تأطير طقوس هذه المؤسسة في غير مخالفة لقواعد الشريعة الإسلامية .

غير أنه و في إطار السيرورة الطبيعية للتحولات التي يشهدها المجتمع المغربي ، و استباقا منه لشكل العلاقات التي يجب أن تسود المجتمع المغربي حاول المشرع المغربي أن يدخل بعض " التحديثات " على مؤسسة الزواج مع الحفاظ على هويتها الحقيقية . و لعل ذلك يظهر في مجموعة من الجوانب منها ما يرتبط بالصداق و الولاية و التعدد و غيرها من الأحكام. و من ضمن ما استأثر باهتمام المشرع نجد فكرة توثيق العلاقة الزوجية ، إذ حاول المشرع المغربي أن ينظمها بأحكام عامة تساهم في جعل الكتابة هي الوسيلة الوحيدة في إثبات العلاقة الزوجية ؛ لذلك فقد عمل على وضع المقتضيات العامة الواردة في المادة 16 من مدونة الأسرة ، و هي المقتضيات التي عوضت - إلى حد ما - مقتضيات الفصل 5 من مدونة الأحوال الشخصية  المتعلقة بسماع دعوى الزوجية . غير أن المستجد الذي أدخله المشرع المغربي على أحكام هذه الدعوى هو أنه جعل سماعها مقترنا بمدة أو فترة زمنية محددة حددت في الصيغة الأولى لمقتضيات المادة 16 من المدونة في خمس سنوات انتهت في الثالث من فبراير 2009 ، ليتم تمديدها لمدة خمس سنوات أخرى انتهت بتاريخ 04 فبراير 2014 من غير أن ينتهي ذكر لدعوى ثبوت الزوجية ، مما يجعنا نتساءل حول الجدوى من هذا التحديد الزمني و ما إذا كانت هناك فائدة منه خاصة و أن المؤشرات الاجتماعية تدل على أن الوعي بتوثيق عقد الزواج إن كان مرتفعا نسبيا في الوسط الحضري فإن الوسط القروي يطرح مجموعة من التحديات المرتبطة بانخفاض مستوى ذلك الوعي مع وجود تقاليد و عادات قد تتجاوز أحكام مدونة الأسرة برمتها و ليس فقط بتوثيق الزواج ؟

من ذلك وجب علينا إثارة أمرين اثنين ؛ أولهما متعلق بالطبيعة التشريعية لمقتضيات و أحكام سماع دعوى الزوجية الواردة بالمادة 16 من مدونة الأسرة و الآثار المترتبة عن ذلك ، لنخلص في الأمر الثاني ل" سيناريوهات الحل " الممكنة لهذا المأزق التشريعي .

و لذلك فقد ارتأينا أن نتطرق لهذا الموضوع وفق الخطة التالية :
المبحث الأول : طبيعة مقتضيات التحديد الزمني لأحكام دعوى الزوجية و آثارها
المبحث الثاني : المأزق التشريعي و " سيناريو " الحل المقترح



المبحث الأول
طبيعة مقتضيات التحديد الزمني لأحكام دعوى الزوجية و آثارها

تعتبر المقتضيات الواردة بالمادة 16 من مدونة الأسرة مفتاحا أساسيا للنظر في مصير مجموعة من الحالات التي لا تزال عالقة سواء من حيث خضوعها لمقتضيات المدونة أو للنظر فيها أمام القضاء ، لذلك فإن طبيعة مقتضيات التحديد الزمني لأحكام دعوى الزوجية تعطي صفة وقتية لتلك الأحكام ( المطلب الأول ) لا تلبث آثارها تندثر بمجرد انتهاء الفترة المحددة قانونا مما يجعلها عديمة الأثر كنتيجة منطقية لانتهاء وقت مفعول تلك المقتضيات ( المطلب الثاني ) .

المطلب الأول
أحكام دعوى ثبوت الزوجية أحكام وقتية

من المعلوم أن القواعد القانونية على اختلاف أجناسها إما قواعد تتضمن أحكاما مستمرة في الزمان أو أحكاما وقتية .  و إذا كانت الأحكام المستمرة في الزمان هي الأحكام التي لم يحدد لها المشرع نطاقا محددا لسريان آثارها ، سواء من حيث النطاق الزماني أو النطاق المكاني ، فإن الأحكام المؤقتة هي تلك التي حدد لها المشرع فترة زمنية تسري فيها آثارها ، غير أن ذلك السريان لا يهم إلا التصرفات و الوقائع القانونية التي حددها المشرع بنفسه .

و هكذا ؛ فالتجربة المغربية في مجال القوانين الوقتية لا تعدو أن تخرج على نوعين من تلك القوانين من حيث سريان آثارها ، فهي إما أن تحكم وقائع مادية أو قانونية و تصرفات قانونية بعينها وقعت عند دخول تلك القوانين حيز التنفيذ أو وقعت في فترة زمنية سابقة لتاريخ دخولها حيز التنفيذ - كما هو الحال بالنسبة للقانون الذي حكم القضية المشهورة بقضية الزيوت المسمومة - ، أو أنها قواعد قانونية حدد من خلالها المشرع آجالا معينة للقيام بأعمال أو الامتناع عن القيام بأعمال يحددها القانون نفسه بغض النظر عما إذا كانت تلك الأعمال أو الامتناعات قد حدثت قبل دخول القوانين الوقتية حيز التنفيذ أو بعد أن دخلت إلى غاية انتهاء المدة التي حددها المشرع .

و إذا كانت مقتضيات الدستور تمنع رجعية القانون ؛ فإن القوانين الوقتية التي تحكم أفعالا سابقة لتاريخ دخولها حيز التنفيذ تعتبر قوانين غير دستورية و يمتنع الخضوع لها و لو صدرت عن الجهة التشريعية المخولة لها ذلك ، لأن تدخل هذه الجهة بالتشريع لا يعفي من الخضوع لأحكام أعلى قيمة من القواعد القانونية العادية . و بالتالي فإن تصور وجود قواعد قانونية تسري آثارها على الوقائع و التصرفات القانونية السابقة على دخولها حيز التنفيذ أصبح أمرا مستحيلا بحكم مقتضى القاعدة الدستورية نفسها ؛ مما جعلنا أمام نوع واحد من القوانين الوقتية ألا و هو المجسد في الحالة التي يحكم فيها ذلك القانون الوقتي الوقائع و التصرفات  القانونية التي وقعت بعد دخول ذلك القانون حيز التنفيذ إلى حين انتهاء مفعوله . وعلى ذلك فإن كل الوقائع التي وقعت في ظل القانون الوقتي و بعد دخوله حيز التنفيذ تبقى خاضعة لأحكامه متى تعلق الأمر بتصرفات قانونية تعطي للأفراد مراكز قانونية تتحدد بموجبها الحقوق و الالتزامات المتبادلة .

و  برجوعنا لمقتضيات المادة 16 من مدونة الأسرة نجدها تنص على أنه : " إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته، تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات و كذا الخبرة. تأخذ المحكمة بعين الاعتبار وهي تنظر في دعوى الزوجية وجود أطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية، وما إذا رفعت الدعوى في حياة الزوجين. يعمل بسماع دعوى الزوجية في فترة انتقالية لا تتعدى عشر سنوات، ابتداء من تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ " . فكما هو ظاهر من هذه المقتضيات نجد أن المشرع الأسري ذهب في اتجاه وضع قاعدة قانونية وقتية تسري أحكامها لمدة حددها في خمس سنوات و مدد مفعولها لخمس سنوات أخرى ، و قد كان ذلك نتيجة رغبة التيارات الاجتماعية التي رأت بأن نظام الأسرة يجب أن يرتقي من حكم العرف إلى حكم القانون ، و بالتالي فإن هذا الارتقاء لا يمكن أن يؤتي مفعوله إلا بفرض إجبارية و إلزامية توثيق العلاقة الزوجية و جعل الكتابة الوسيلة الوحيدة لإثبات تلك العلاقة و تمييزها عن غيرها من العلاقات التي تنشأ خارج أحكام مدونة الأسرة .

و ما يستفاد من حكم هذه مقتضيات المادة 16 من مدونة الأسرة أن المشرع أعطى للأفراد المتزوجين و الغير موثقين لعلاقاتهم الزوجية مدة محددة للجوء إلى القضاء من أجل تدارك هذا الإخلال في التوثيق ، مؤسسا تصوره ذاك - حسب فهمنا - على رؤية اجتماعية خاصة تقوم على نمو الوعي بتوثيق الزواج و وجود مجموعة من القوانين التي تصب في هذا السياق كما هو الحال بالنسبة لقانون الحالة المدنية الذي يقوم على ترسيم الوقائع بناء على وثيقة الزواج أساسا ، أو قانون الجنسية و غيرهما من القوانين ذات الارتباط بالمجال الأسري . غير أن رؤية المشرع تلك و المترجمة لرؤية توجهات اجتماعية لم تصمد طويلا ؛ إذ سرعان ما ظهرت الحاجة إلى ضرورة تمديد الفترة الزمنية الأولى من أجل استيعاب الحالات التي لا تزال موجودة في الواقع لبلوغ الهدف المرجو من سن القاعدة القانونية نفسها ، و هو ما اضطر المشرع عينه إلى التدخل من جديد بغاية إضافة مدة خمس سنوات أخرى حتى يتم التخلص من الزيجات غير الموثقة ، لكن الأمر على ما يبدو لم يكن كما تصوره المشرع أو كما أعطته القراءات السابقة للتشريع و المؤثرة فيه . لذلك فإن التساؤل حول جدوى تلك القراءات و محاول الرقي بها إلى مصاف القراءة السليمة يجعلها تصطدم بمجموعة من العوامل الاجتماعية و الثقافية المتأثرة بالنزعة الدينية و العرفية التي تؤطر مؤسسة الزواج ، مما يجعل تحديد فترة معينة لتوثيق عقد الزواج مسألة مجازفة حقيقية لا تصمد أمام طغيان العرف بمفهوميه العام و الخاص في مسألة الزواج ، بل إن القيود التي ما فتئ المشرع يضعها للحد من قيام علاقات زوجية خارج إطار " القانون " هي نفسها التي تكرس - في مجموعة من الحالات -  سقوط نظرية التوثيق المكتوب للعلاقة الزوجية .

إن وجود أعراف و تقاليد مجتمعية في مجموعة من المناطق المغربية ترى في الزواج تحصينا للفتى و الفتاة أو تؤطر العلاقات الزوجية المتعددة في إطار الشرع ، تجعل من هذه المؤسسة محكومة برؤية دينية و عرفية تفوق قوتها قوة القاعدة القانونية . لذلك فإننا نجد محاولة الفرض القسري لأحكام مثل هذه القواعد القانونية خلال مدة معينة أمرا يبدو شبه مستحيل ، مما يجعل القاعدة القانونية الواردة في المادة 16 من مدونة الأسرة قاعدة عديمة الجدوى متى ارتبطت بالتحديد الزمني . و على ذلك فإن إلزام القضاء بفترة معينة لسماع تلك الدعوى يبدو أمرا مجانبا للصواب و لا يحقق المبتغى المنشود بل يزيد من تعقيد الأمور و الوضعيات و يضاعف من الحالات " الخارجة " عن نطاق القانون .  لذلك فإننا نجد أنفسنا أمام تساؤل كبير حول الآثار القانونية التي ترتبها الصفة الوقتية لأحكام دعوى ثبوت الزوجية ، و هو الأمر الذي سيكون موضوع المطلب الموالي .

المطلب الثاني
الآثار المترتبة على الصفة الوقتية لأحكام دعوى ثبوت الزوجية

إن الصفة الوقتية لقاعدة قانونية ما تعني أن وجود تلك القاعدة لا يتحقق إلا انطلاقا من دخولها حيز التنفيذ و ينتفي بمجرد انتهاء المدة التي حددها المشرع لسريان أحكامها . و على ذلك فإن الحكم الذي تقضي به تلك القاعدة القانونية الوقتية لا يكون له أي مفعول إلا خلال الفترة البينية الفاصلة بين تاريخ سريان القانون و تاريخ انتهاء مدة سريانه ؛ و هو الأمر الذي يجعلنا أمام حكم مؤقت يحد من ممارسة الحقوق و التحمل بالالتزامات إلا في الإطار الذي رسمه المشرع من الناحية الزمنية . لذا وجب علينا طرح سؤالين مهمين مرتبطين بالحكم الوارد في الفقرة الأخيرة من المادة 16 من مدونة الأسرة ، و هي الفقرة التي تنص على أنه : " يعمل بسماع دعوى الزوجية في فترة انتقالية لا تتعدى عشر سنوات، ابتداء من تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ " موضوع هذين السؤالين هو هل يمكن تصور سريان حكم هذه القاعدة القانونية على الزيجات التي قامت من غير توثيق قبل دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ أم لا ؟ و هل يمكن فعلا القول بوجود حكم توثيق الزواج في المادة 16 فقط أم أن الأمر يتعدى نطاق هذه المادة إلى غيرها و يعطي للقضاء إمكانية توثيق الزواج بطريقة ضمنية من خلال أحكام مدونة الأسرة ذاتها ؟

فبخصوص السؤال المتعلق بمدى إمكانية سريان آثار الحكم الوقتي لسماع دعوى الزوجية على الزيجات القائمة قبل دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ ؛ فإننا نرى أن هذه القاعدة لا يمكن أن تسري بالمرة على تلك الزيجات ، على اعتبار أن القاعدة القانونية موضوع الحديث هي قاعدة شكلية ترتبط فقط بمسألة اللجوء إلى القضاء من أجل التوثيق ، و الحال أن قيام الزوجية مسألة موضوعية تنشأ من العقد المبرم بين الطرفين متى توفرت أركانه و شروطه من غير التفاتة إلى شكلية إثباته التي حددها المشرع في الكتابة كما هو ظاهر من مقتضيات الفقرة الأولى من نفس المادة 16 التي تنص على أنه : " تعتبر وثيقة عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج " ، و هو الأمر الذي يجعل مسألة اللجوء إلى القضاء من أجل سماع دعوى الزوجية لا يعدو أن يكون الغرض منه الحصول على الوثيقة المكتوبة التي يمكن الاحتجاج بها تسهيلا للقيام بأعمال يفرضها القانون على الأفراد كما سبقت الإشارة إليه بشأن الحالة المدنية و الجنسية و الكفالة و غيرها . و ما يعزز هذا الطرح هو أن حكم القضاء بثبوت الزوجية لا يتحقق إلا بإثبات شروط موضوعية تدل على قيام الزواج ذاته قياما صحيحا و مكتملا ، ما يعني أن الغرض من سماع دعوى الزوجية هو الكشف عن العلاقة الزوجية و ليس إنشاؤها .

إن الوقوف على تحقيق طبيعة دعوى ثبوت الزوجية هل هي منشئة أم كاشفة هو المفتاح الذي يجب التعامل معه عند النظر في القضايا المعروضة على القضاء ، و بالتالي فإن الإجماع القائم على كون الأحكام القضائية الصادرة في دعاوى ثبوت الزوجية ما هي إلا أحكام كاشفة و ليست منشئة يجعلها أحكاما موضوعية لا علاقة لها بالشكل و بالتالي لا يمكن أن يقيد الأخير بمدة محددة ، لأن التقييد في القانون أصله و محله في الموضوع و ليس في الشكل .

و مما يترتب على اعتبار دعوى ثبوت الزوجية كاشفة ليس إلا ؛ هو اعتبار الزوجية أصلا قائمة بقوة الواقع قياما منفصلا تمام الانفصال على وسيلة إثباتها .  لذلك فإنه من جهة أولى لا يستقيم القول بسريان الحكم الوقتي على ما نشأ قبل دخوله حيز التنفيذ من تصرفات ، لأن القول بخلافه يعني التسليم برجعية القانون أي أن الأفراد سيكونون مجبرين على الخضوع لقاعدة لم تكن معلومة و لم تقرر وقت إبرامهم لزواجهم ، و هو ما يجعلنا أمام هدر لقاعدة دستورية هامة ، هذا إن سلَّمنا بكون القاعدة المعنية بتحديد المدة الزمنية قاعدة يمكن الركون إليها أصلا . و من جهة ثانية فإن التحديد الزمني الذي جاء به المشرع في المادة المذكورة لا يعدو أن يكون مرتبطا بالحق في اللجوء إلى القضاء من أجل إثبات وقائع معينة قد تكون متنازع فيها و قد تكون غير ذلك كما هو الأمر في دعوى إثبات الزوجية ، لذلك يبقى التساؤل مشروعا حول مدى إمكانية القول بالحد من هذا الحق الذي يعتبر حقا إنسانيا تكفله كافة التشريعات و المواثيق الدولية فضلا عن كون هذا الحد يخرق القواعد الدستورية التي تضمن حق الأفراد في الولج للقضاء ؟

إن تدخل المشرع وفق التصور الذي جاء في مدونة الأسرة لم يكن موفقا لمجموعة من الاعتبارات التي يمكن إجمال أهمها في التالي :

 أنه عوض أن يربط وقتية القاعدة القانونية بالموضوع ربطها بالشكل ، و هو أمر لا يتصور في منطق القانون . لذلك لا يتصور أيضا أن تكون هذه القاعدة القانونية التي تحدد مدة اللجوء إلى القضاء من أجل إثبات الزوجية في خمس سنوات تم تمديدها خمس سنوات أخرى ، قاعدة سليمة ؛ لأن القاعدة القانونية الوقتية على فرض قبولها فهي تهتم و تحكم الموضوع و ليس الشكل .

أنه حكَّم قاعدة شكلية لاحقة في وضعيات موضوعية سابقة و متجددة ، مما يجعل بناء تلك القاعدة مهتزا و لا يمكن التسليم بها ؛ لأن قواعد الشكل ترتبط بالإجراءات التي يتم القيام بها أمام القضاء ، بينما موضوع دعوى الزوجية ليس هو المنازعة في الإجراءات حتى يجوز القول بإمكانية تصور تحديد المدة المسقطة للحق في الإجراءات ، و إنما موضوعها مراكز قانونية تحدد حقوق و التزامات من طبيعة خاصة نشأت بين طرفي العلاقة الزوجية و غيرهم مما يعتبره الدين و العرف ، و بالتالي لا يمكن تصور أن تحكم القاعدة الشكلية في الموضوع .

أن القول بتحديد مدة معينة لقبول دعوى الزوجية هو أمر يحد من أهم المبادئ التي تقوم عليها فكرة العدالة ، ألا و هو الحق في الولوج إلى القضاء ، كما يشكل خرقا لمقتضيات الدستور التي هي - من حيث التراتبية – أقوى و أسمى من القاعدة القانونية العادية التي يصدرها المشرع .

إن هذه المؤيدات و غيرها مما يرتبط بالحد من حق نصت عليه المواثيق و الاتفاقيات الدولية كلها تجعل فكرة التحديد الذي جاءت به مدونة الأسرة مسألة منتقدة ، و تجعل الوضع الذي أخذت به مدونة الأحوال الشخصية مسألة معقولة و منضبطة للواقع و المنطق القانونيين ؛ ذلك أن مقتضيات الفصل 5 من مدونة الأحوال الشخصية التي نصت على أنه :" يجوز للقاضي - بصفة استثنائية – سماع دعوى الزوجية و اعتماد البينة الشرعية في إثباتها " ربطت هذه الدعوى الاستثنائية بالموضوع بدل الشكل و هو ما كان منسجما مع المبادئ العامة لبناء القاعدة القانونية ، عكس ما هو الحال في مدونة الأسرة .

هذا من جانب الجواب على السؤال المتعلق بالمدى الزمني لسريان حكم دعوى الزوجية، أما فيما يتعلق بمدى إمكانية القول بأن المشرع لم يعتد إلا بالوثيقة المكتوبة ( سواء أكانت رسما عدليا أو حكما قضائيا ) لإثبات الزوجية أم أن المدونة تضمنت أحكاما ضمنية تعترف بالزواج الشرعي دون توثيقه ، فإننا نقول بأن المشرع الأسري بالفعل اتجه في الاعتراف بالزواج في صيغته الشرعية و ليست القانونية ، و يظهر ذلك من الأحكام العامة للزواج ذاتها . كما يظهر من مقتضيات المادة 156 من مدونة الأسرة في فقرتها الأولى التي تنص على أنه : " إذا تمت الخطوبة، وحصل الإيجاب والقبول وحالت ظروف قاهرة دون توثيق عقد الزواج وظهر حمل بالمخطوبة، ينسب للخاطب للشبهة إذا توافرت الشروط التالية ... "
فكما هو ملاحظ من هذه المقتضيات فإن المشرع تعامل مع فترة الخطوبة و ما يتعلق بها من علاقة تقوم بين الطرفين على أساس أنها علاقة زوجية قائمة الذات كما هو الأمر بالنسبة لأية علاقة زوجية أخرى ، غير أن هناك ظروفا قاهرة حالت دون توثيق عق الزواج ، مما جعله يرتب كافة الآثار القانونية على عقد الزواج ذاك و خاصة إثبات النسب و ما يرتبط به من ولاية و نفقة و إرث و غيره ، مما جعل المشرع يبقى وفيا لروح الأحكام الشرعية المتعلقة بالزواج و يكشف حقيقة موقف المشرع الأسري من مسألة قيام الزواج و عدم ربطها بشكلية الكتابة أو الإشهاد ، مكرسا بذلك النظرة الاجتماعية الحقيقية لهذه المؤسسة و القائمة على الإشهار بدل الإشهاد و توفر باقي الشروط و الأركان الأخرى .

و يستنتج من كل ذلك أن المشرع لما تعامل مع العلاقات الزوجية تعامل معها على أساس موضوعي و لم يتعامل معها على أساس شكلي مما تبقى معه مسألة تحديد مدة قبول دعوى إثبات الزوجية و إجبار القضاء بها مسألة فيها نظر ، الشيء الذي يجعلنا نتساءل حول مصير هذا المأزق التشريعي - و ما نجم عنه من واقع مُعطِّل لمصالح الناس - و سبل تجاوزه ، و هو ما سيكون موضوع المبحث الثاني .



المبحث الثاني
المأزق التشريعي و " سيناريو " الحل المقترح

لقد نتج على تحديد فترة زمنية محددة لسماع دعوى الزوجية أزمة قضائية إن جاز التعبير ؛ ذلك أن القضاء توقف مرتين عن الفصل في الدعاوى المتعلقة بثبوت الزوجية ، المرة الأولى سنة 2009 عندما انتهت مدة الخمس سنوات الأولى التي حددها المشرع في الصيغة الأولى للمادة 16 من مدونة الأسرة ، في حين توقف للمرة الثانية عن الفصل في القضايا المعروضة عليه مباشرة بعد انتهاء المدة الثانية ، مما يجعلنا نتساءل حول مصير مصالح المتقاضين و عموم المواطنين هل هي في خطر أم في مأمن ؟ و هل القضاء هو المسؤول عن هذه الوضعية أم أن المشكل ناتج عن المشرع ذاته ؟

ما من شك في أن المشرع بتدخلاته المتناقضة سواء من حيث تصوره للقانون و قواعده المنطقية و مدى تمكنه من الصناعة التشريعية أو من حيث رغبته في الجمع بين رؤى تيارات مختلفة لحد التناقض في بعض الأحيان ، هو المسؤول عن وضع قاعدة قانونية غير سليمة قد تعصف بحقوق الأفراد كما هو الحال بالنسبة لموضوع الدراسة هذا . ذلك أن إلزام القضاء بمدة محددة إن كان مبررا عند انتهاء مدة خمس سنوات الأولى على اعتبار أن سلطة القضاء تتجسد فقط في تطبيق القاعدة القانونية على عِلاَّتها مع عدم تمكن القضاء من أية وسيلة أخرى لتجاوز مقتضى القاعدة القانونية ، فإن انتهاء مدة خمس سنوات الثانية هي فرصة لتنزيل بعض بنود الدستور من قبل القضاء بالشكل الذي يُجبر المشرع على أن يقوم بتدخل سليم من أجل تجاوز هذ المأزق التشريعي المرتبط بتحديد مدة قبول دعوى الزوجية .

و هكذا ؛ فإذا تحققت لنا الصياغة المعيبة شكلا و مضمونا لمقتضيات المادة 16 من مدونة أسرة وفق التفصيل أعلاه ، فإن التعامل مع هذا الواقع و على ضوء انتهاء المدة "التشريعية " الثانية يجعل ما نصت عليه المادة المذكورة بخصوص سماع دعوى الزوجية معدوما من حيث الأثر القانوني ؛ لأن انتهاء المدة المحددة لقاعدة قانونية معينة  وفق القانون و منطقه يُنهي حكم تلك القاعدة ، و بالتالي ينتهي مفعولها مما يجعل القانون الساري المفعول مستقلا عن حكم القاعدة المنتهية الصلاحية و لا يجوز ربط أي مقتضى قانوني لا يزال جاريا بحكم القاعدة التي تصبح هي و العدم سواء ، الشيء الذي قد يخلق نوعا من الفراغ القانوني بشأن حكم التصرفات التي كانت القاعدة المنتهية الصلاحية تؤطرها .

و لعل التدخل التشريعي عند انتهاء الفترة الأولى كرس فكرة أن حقوق الأفراد المتعلقة بإثبات الزوجية رهينة بالتدخل التشريعي لإصلاح هذه الثغرة و تمديد المدة الأولى المنتهية ، مما جعل نفس السلوك ينشأ مباشرة بعد انتهاء الفترة الثانية . و لكن ، و على ضوء ما سبق ، فإن التحليل السليم لهذا الوضع التشريعي المأزوم يجعلنا نرى الحل في مستويين يكمل أحدهما الآخر ؛
المستوى الأول يقوم على التأكيد على كون مسألة ثبوت الزوجية مسألة موضوع و ليست مسألة شكل ، لذلك فإن الخيار الممكن في هذا السياق و في ظل غياب نص قانوني يسمح بالقول بتمديد فترة قبول دعوى الزوجية لمدة غير محددة و ربطها بالموضوع كما كان عليه الأمر في ظل مدونة الأحوال الشخصية ، يمكننا اللجوء إلى مقتضيات المادة 400 من مدونة الأسرة ، و هي المادة التي تعتبر مفتاحا أساسيا من مفاتيح أحكام مدونة الأسرة ، بل أصلا أصيلا كان على المشرع أن يُصدِّر به المدونة و يضعه في الأحكام العامة الواردة في الباب التمهيدي بدل أن يجعله في آخر مادة ، ذلك أن مقتضيات هذه الأخيرة تنص على أنه : " كل ما لم يرد به نص في هذه المدونة، يرجع فيه إلى المذهب المالكي والاجتهاد الذي يراعى فيه تحقيق قيم الإسلام في العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف. " . إذ أن انتهاء المدة التشريعية التي حددها القانون يجعل أثر القاعدة القانونية منعدما و بالتالي فهو ما لم يرد به نص في هذه المدونة ، الشيء الذي يفسح المجال للعمل بأحكام الفقه المالكي و الاجتهاد الذي يحقق العدل و المساواة و المعاشرة بالمعروف .و لعل هذا التوجه القائم على اعتماد الوسائل الشرعية في إثبات الزواج يؤكده ما جاء في الفصل 32 من دستور 2011 و الذي نص على أن :" الأسرة القائمة على علاقة الزواج الشرعي هي الخلية الأساسية للمجتمع . تعمل الدولة على ضمان الحماية الحقوقية و الاجتماعية و الاقتصادية للأسرة ، بمقتضى القانون ، بما يضمن وحدتها و استقرارها و المحافظة عليها " إذ من القانون ما جاء بالمادة 400 من مدونة الأسرة ما دام أن المشرع قد نص عليه و يمكن اعتباره قاعدة إسناد يرتكز عليها القاضي في أحكامه للنهل من أحكام الفقه المالكي فيما لا نص فيه حكما أو حقيقة في المدونة . و على ذلك يمكن في هذه الحالة إما النظر مباشرة من قبل القضاء في دعاوى ثبوت الزوجية على اعتبار أن ذلك يعتبر اجتهادا يحقق العدل و المساواة في جميع تجلياتها و على رأسها المساواة في حكم القانون كما يحقق قيم الإسلام في المعاشرة بالمعروف بين الزجين ، و هو ما يشكل النواة الحقيقية للأسرة الشرعية التي اعتبرها الدستور النواة الأساسية للمجتمع ، كما يمكن الرجوع إلى اعتماد البينة في إثبات الزوجية ( كالإشهاد و التقارر ) كما كان معمولا بها قبل صدور المدونة و دخولها حيز التنفيذ .شي  سم
أما المستوى الثاني ؛ فيتمثل في  الفكرة الجديدة التي جاء بها دستور 2011 من وجوب صدور الأحكام على أساس التطبيق العادل للقانون . و من باب العدل في تطبيق القانون أن يضمن القضاء لكل فرد على حدة مركزه القانوني الذي يحدد له حقوقه و التزاماته التعاقدية و القانونية . و لعل في تجاوز هذه القاعدة القانونية الوقتية و تجاوز سلبياتها تطبيق عادل للقانون على اعتبار أنها قاعدة تحد من الحق في اللجوء للقضاء ، و هي قاعدة غير دستورية يمكن الطعن فيها بعدم الدستورية متى صدر القانون التنظيمي الذي يبيح و ينظم حق الطعن للأفراد ، و هو الأمر الذي لم يكن متاحا قبل دستور 2011 سواء من حيث إمكانية تجاوز القضاء للقاعدة التشريعية لانتفاء فكرة التطبيق العادل للقانون في المنظومة القانونية المغربية و عدم دسترتها ، و كذا لعدم تمكين الأفراد من حق الطعن في دستورية القانون كما كان مكرسا بصورة ضمنية في الفصل 25 من قانون المسطرة المدنية . كما أنه من باب التطبيق العادل للقانون موافقة حكم القانون لروح العدالة بما تتضمنه فكرة عدم القابلية لرجعية القاعدة القانونية من حيث الزمان على الشكل الذي فصلناه أعلاه .

تلك إذن كانت أهم النقاط القانونية التي ارتأينا بسطها في موضوع دعوى ثبوت الزوجية و ما ارتبط بها من مشاكل قانونية لم تؤثر على عمل القضاء فقط و إنما على مصالح و حقوق الأفراد و ما يرتبط بها من مسائل يفرضها القانون . لذلك فإن أهم خلاصة يمكن أن نخلص إليها في هذا السياق و أهم توصية هي أن يتخلى المشرع على فكرة التحديد الوقتي لحكم سماع دعوى ثبوت الزوجية و ربط هذا الدعوى بمدى توفر أركان و شروط الزواج قبل صدور الحكم بالكشف عنه بدل ربط ذلك بالحق في اللجوء إلى القضاء الذي يعتبر أهم مبدأ من مبادئ حقوق الإنسان القائمة على الحق في التقاضي و الخضوع لحكم القانون .
انتهى بحمد الله تعالى

عن الصفحة الرسمية للدكتور على الفيس بوك

الجمعة، 30 مايو 2014

تذييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية في ضوء المادة 128 / 2 من مدونة الأسرة - ذ. عدنان المتفوق






                    

 السيد عدنان المتفوق
منتدب قضائي بمحكمة الاستئناف بفاس





أولا: كيف نقرأ الإحالة على الفصول 430 وما بعدها المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 128 من مدونة الأسرة ؟؟
ثانيا: هل مقتضيات الفقرة 2 من المادة 128 من مدونة الأسرة سهلت عملية تنفيذ الأحكام الأجنبية ببلادنا أم لا ؟؟
تذييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية في ضوء المادة 128 / 2 من مدونة الأسرة.
مقدمة
لا يختلف اثنان في أن موضوع تذييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية يكتسي أهمية بالغة، هذه الأهمية تجد أساسها في الآثار التي يخلفها تنفيذ حكم أجنبي في دولة أخرى غير الدولة مصدرة هذا الحكم، ذلك أن تنفيذ حكم أجنبي هو في الواقع اعتراف بحقوق مكتسبة في الخارج ومظهر من مظاهر سيادة الدولة.
إلا أن الملاحظ هو أن هذه الحقوق المكتسبة في الخارج بموجب حكم أجنبي والتي لن يتأتى الحصول عليها إلا بعد جهد جهيد وطول انتظار لا يمكنها أن تنتج آثارها داخل بلد آخر إلا إذا تم تذييلها بالصيغة التنفيذية التي تعطي للحكم الأجنبي قوة وتجعله قابلا للتنفيذ في دولة أخرى غير الدولة مصدرة الحكم.
هذا وقد تناول المشرع المغربي الموضوع منذ عهد الحماية بمقتضى الفصل 290 من ق.م.م.، وكذا الفصل 19 من ظهير الوضعية المدنية للفرنسيين والأجانب الصادر بتاريخ 12 غشت 1913 والذي ميز بين الأحكام الأجنبية الصادرة عن محاكم الدول التي تنازلت عن امتيازاتها القضائية داخل منطقة الحماية الفرنسية بالمغرب و بين الأحكام الصادرة عن محاكم الدول الأخرى، وكان وجه التمييز هو أن الأحكام الأولى يجوز تذييلها بالصيغة التنفيذية دون حاجة إلى إعادة النظر فيها من حيث الجوهر[1]، ولكن على شرط المبادلة "المعاملة بالمثل" عكس الأحكام الثانية فإن القاضي المغربي الذي يعرض عليه طلب التذييل بالصيغة التنفيذية كان يتمتع بالسلطة الكاملة لإعادة النظر في الحكم سواء من حيث الوقائع أو من حيث القانون[2] طبقا لمقتضيات الفصل 290 من قانون.م.م.
وما يعاب على هذه النصوص، هو أنها لم تضع نظام موحد بخصوص تذييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية "الفصل 19"، هذا الإضافة إلى السلطة الواسعة والمطلقة التي يتمتع بها القاضي والتي كانت تسمح له بالنظر في الوقائع والقانون أثناء نظره في دعوى التذييل بالصيغة التنفيذية "الفصل 290".
وقد أستقر الوضع على ما هو عليه إلى أن جاء ق.م.م بمقتضى الفصل 430 والذي ألغى الفصل 290 وكذا الفصل 19 المشار إليهما أعلاه والذي وضع نظام قانوني موحد لا يميز بين الأحكام الأجنبية ويضع شروطا يتوجب توافرها عند النظر في التذييل بالصيغة التنفيذية ويحد كذالك من سلطة القاضي من النظر في وقائع وقانونية الحكم الأجنبي
وإذا كان الفصل 430 وما بعده من ق.م.م. أتى ليسهل على القاضي وذلك من خلال تحديد شروط معينة يتأكد من توافرها أثناء نظره في كل قضية تتعلق بالتذييل بالصيغة التنفيذية فإن شرط النظام العام الذي تطرق له الفصل 430/ 2 جعل الاجتهاد القضائي المغربي متضاربا بل متناقضا. فتارة يحكم بالتذييل بالصيغة التنفيذية وتارة لا يستجيب للطلب رغم وحدة الموضوع والأسباب، ويرجع كل هذا إلى عدم فهم المقصود بالنظام العام.
وقد بقى الوضع على ما هو عليه إلى أن جاءت مدونة الأسرة المادة 128/2 التي تناولت الموضوع بنصها على ما يلي "الأحكام الأجنبية الصادرة عن المحاكم الأجنبية بالطلاق أو بالتطليق أو بالخلع أو بالفسخ تكون قابلة للتنفيذ إذا صدرت عن محكمة مختصة وأسست على أسباب لا تتنافى مع التي قررتها هذه المدونة لإنهاء العلاقة الزوجية وكذا العقود المبرمة بالخارج أمام الضباط والموظفين العموميين المختصين بعد استيفاء الإجراءات القانونية المتعلقة بالتذييل بالصيغة التنفيذية طبقا لأحكام الفصول 430 و 431 و432 من ق.م.م".

في ضوء هذا المقتضى الجديد وبعد مرور حوالي ثلاث سنوات من دخول مدونة الأسرة حيز التطبيق نتساءل: كيف نقرأ الإحالة على الفصول 430 و431 و432 من ق.م.م المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 128من مدونة الأسرة ؟ وهل هذا المقتضى الجديد الذي أتت به المادة 128/2 سهل عملية تنفيذ الأحكام الأجنبية الصادرة بالخارج ؟
لتحليل هذا الموضوع ارتأينا تقسيمه إلى محورين:
المحور الأول: الاختصاص بشأن تذييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية وكذا الشروط المنصوص عليها في الفصل 430 وما بعده.
المحور الثاني: تذييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية في ضوء المادة 128/2 من مدونة الأسرة.
المحور الأول: الاختصاص بشأن مسطرة تذييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية وكذا الشروط المنصوص عليها في الفصل 430 وما بعده.
قبل التطرق إلى الشروط المنصوص عليها في المادة 430 وما بعده (المطلب الثاني) سنتطرق إلى مسطرة الاختصاص بشأن مسطرة تذييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية (المطلب الأول).

المطلب أولا: الاختصاص بشأن مسطرة تذييل الأحكام الأجنبية

 بالصيغة التنفيذية

بالرجوع إلى الفصل 430 من ق.م.م نجده ينص على أنه "لا تنفذ الأحكام الصادرة عن المحاكم الأجنبية إلا بعد تذييلها بالصيغة التنفيذية من طرف المحكمة الابتدائية لموطن أو محل إقامة المدعى عليه أو لمكان التنفيذ عند عدم وجودها"، فهذا الفصل يحدد الاختصاص النوعي والمكاني دون أن يحدد الجهة المختصة هل هي رئيس المحكمة أم قضاء الموضوع.
وعليه فقد سار الاجتهاد القضائي على أن ينعقد الاختصاص لقضاء الموضوع وهو عمل ننتقده لأنه لا يتماشى مع التعديل الذي أتت به المادة 430 وما بعدها من ق.م.م وكذا روح المادة 128/2 من مدونة الأسرة، وكذا تبسيط الإجراءات الذي هو روح قانون المسطرة المدنية.
1/ فالتعديل الذي أتت به المادة 430 وما بعدها من ق.م.م للفصل 290 من ق.م.م الملغى حدد الشروط التي يتعين على القاضي مراقبتها عند نظره في التذييل بالصيغة التنفيذية وحذف له سلطة النظر في وقائع وجوهر الحكم الأجنبي.
2/ الحكم الأجنبي قطع أشواط كبيرة إلى حين صيرورته نهائيا فإنه من باب العبث بالأمور وتضييع للوقت أن يتم نشر الدعوى من جديد أمام قاضي الموضوع الذي يتعين عليه استدعاء الأطراف والسماع لهم، وهو ما يستحيل الوصول له خاصة وأنه يتعذر تبليغ أحد الأطراف لتواجده خارج الوطن.
3/ روح المادة 128/2 من مدونة الأسرة التي أتت لتبسيط وتسهيل تنفيذ الأحكام الأجنبية "كما سنوضح لاحقا".
4/ الهدف العام من وضع قانون م.م والرامي إلى السرعة في البث في القضايا.
وفيما يعود لدينا من اعتقاد متواضع واعتبارا لملاحظاتنا المسطرة أعلاه بشأن اختصاص قاضي الموضوع بالنظر في قضايا تذييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية فإننا نرى بأن الاختصاص ينبغي أن ينعقد لرئيس المحكمة الابتدائية في إطار المستعجلات "الفصل 149 ق.م.م" خاصة وأن المادة 128/2 من مدونة الأسرة كما سنوضح لاحقا لم تعد تعطي الحق للقضاء المغربي في مراقبة مدى تطبيق القضاء الأجنبي للقانون المغربي في دعاوي إنهاء العلاقة الزوجية، وإنما يراقب هل الطلاق أسس على أحد الأسباب التي قررتها مدونة الأسرة أمر لا، ومن ثم فرئيس المحكمة وفي إطار اختصاصه الاستعجالي إذا ما اتضح له أن الحكم الأجنبي أسس على الأسباب المقررة في مدونة الأسرة ومرفقا بالوثائق المنصوص عليها في الفصل 431 فإنه يتعين عليه أن يصدر أمره بالموافقة على الطلب.

المطلب الثاني: الشروط المنصوص عليها في الفصل 430 من ق.م.م وما بعدها لمنح الحكم الأجنبي الصيغة التنفيذية.

لا يمكن للمحكمة المغربية أن تمنح الأمر بالتنفيذ[3] إلا إذا توفرت في الحكم الأجنبي مجموعة شروط (أولا) وأرفق طلب التذييل بالصيغة التنفيذية بمجموعة وثائق (ثانيا).
أولا: الشروط الواجب توفرها لمنح الحكم الأجنبي الصيغة التنفيذية [4] :
حسب مقتضيات الفقرة 2 من الفصل 430 من ق.م.م فإن المحكمة التي يقدم لها الطلب يتعين عليها أن تتأكد من توافر ثلاث شروط:
‌أ-                صحة الحكم الأجنبي: يرى الأستاذ بحماني أن المقصود بهذا الشرط هو صحة الحكم الأجنبي شكلا وجوهرا، في حين يرى الدكتور موسى عبود أن مراقبة القضاء تنصب على الشكل فقط وهو الرأي الذي يميل له خاصة وأن القاضي المغربي يصعب عليه مراقبة مدى قانونية الأحكام الأجنبية من حيث الموضوع، بخلاف مراقبة القواعد الإجرائية الشكلية فهاته الأخيرة متعارف عليها دوليا ويسهل على القاضي معرفة احترام المحكمة الأجنبية لقواعدها.
‌ب-            التأكد من اختصاص المحكمة الأجنبية: وينظر إلى هذا الاختصاص من جانبين دولي وداخلي، فمن حيث الجانب الدولي يجب أن تكون محاكم الدولة التي أصدرت الحكم هي المختصة بمقتضى قواعد تنازع الاختصاص القضائي الدولي المعمول بها في المغرب، وعلى هذا حكمت محكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 2 أبريل 1928 برفض الأمر بالتنفيذ لفائدة حكم صادر عن محكمة جنوة (إيطاليا) لكونه تجاهل القاعدة القائلة بأن المدعي يتبع المدعي عليه، ومن حيث الجانب الداخلي يجب أن تكون المحكمة الأجنبية التي أصدرت الحكم هي المختصة طبقا لقواعد الاختصاص الداخلي الداخلي في الدولة المعنية بالأمر[5].
‌ج-            التحقق من عدم مساس الحكم الأجنبي بالنظام العام المغربي: لقد أجمع الفقهاء المغاربة أن النظام العام المغربي يستمد أسسه من قواعد الشريعة الإسلامية ومن تعاليمها[6]، وقد عمل الاجتهاد القضائي المغربي في العقود الأخيرة على بلورة مفهوم النظام العام المغربي وتأكيد استناد أسسه على الشريعة الإسلامية، وقد كان للمجلس الأعلى الدور الريادي في ذلك. وعليه لا يمكن لدولة أن تنفذ في بلدها حكما أجنبيا مخالفا لنظامها العام ففي المغرب مثلا لا يمكن إعطاء الصيغة التنفيذية لحكم صدر بمنح الخلية مبلغا من المال بسبب وفاة خليلها، أو يعطي الصيغة التنفيذية لحكم قضى لأجنبية بصحة هبتها سببها علاقة غير مشروعة مع الواهب أو الاعتراف بحق الإرث لابن غير شرعي أو لإبن متبنى[7].
ثانيا: الوثائق الواجب إرفاقها بطلب التذييل بالصيغة التنفيذية حسب مقتضيات الفصل 431 من ق م م: إن الوثائق التي يتعين إرفاقها بطلب التذييل بالصيغة التنفيذية هي كما يلي:
1-   نسخة رسمية من الحكم: وعندما نقول نسخة رسمية فإنه يتعين الإشهاد على صحتها ومطابقتها للأصل كاتب الضبط للمحكمة مصدرة الحكم وكذا كل موظف مؤهل لذلك حسب تشريع كـــل دولة.
2-   أصل وثيقة التبليغ أو كل وثيقة تقوم مقامها
3-   شهادة من كتابة الضبط المختصة تشهد بأنه لا يوجد أي تعرض أو استئناف أو نقض: ونحن نرى حسب الممارسة العملية، كثيرة هي الحالات التي يدلي بها الشخص بشهادة ضبطية تفيد التبليغ وكون الحكم صار نهائيا، فهذه الشهادة تجمع الوثيقة 2و 3، يتعين على القضاء قبولها وعدم التشدد في تعامله معها.
4-   ترجمة الحكم الأجنبي إلى اللغة العربية وكذا باقي الوثائق من طرف ترجمان محلف.
المحور الثاني: تذييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية في الفقرة 2 من المادة 128 من مدونة الأسرة.
سنحاول تلمس المقصود بالإحالة على الفصل 430 وما بعده المنصوص عليها في الفقرة 2 من المادة 128 من مدونة الأسرة (المطلب الأول) وبعد ذلك سنرى هل سهلت الفقرة الثانية من المادة 128 عملية تنفيذ الأحكام الأجنبية ببلادنا (المطلب الثاني).

المطلب الأول: كيف نقرأ الإحالة على الفصول 430 وما بعده المنصوص عليها في الفقرة 2 من المادة 128 م مدونة الأسرة.

باستقراء المادة 128/2 من مدونة الأسرة نجدها تحيل على مقتضيات الفصول 430 و 431 و 432 عند حديثها على تذييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية، لكن ما المقصود بهذه الإحالة ؟
في نظرنا المقصود بالإحالة، هو أنه يتعين على القاضي عند نظره في دعوى تذييل حكم أجنبي بالصيغة التنفيذية التأكد من توافر الشروط المنصوص عليها في الفصول 430 وما بعده، لكن عند نظره في شرط النظام العام فإنه يتعين عليه الأخذ بعين الاعتبار مقتضيات الفقرة 2 من المادة 128 من مدونة الأسرة التي أصبحت كما سنرى لاحقا توجب على القاضي عند تذييله لحكم أجنبي بالصيغة التنفيذية أن ينظر إلى السبب الذي أسست عليها المحكمة الأجنبية حكمها وليس إلى القانون المطبق، ومن تم فالتطبيق السليم للفصل 430 وما بعده يجب أن يتم في ضوء المادة 128/2 من مدونة الأسرة. لأن هاته الأخيرة تحدد الشروط الموضوعية "شرط النظام العام" التي يتعين على القاضي مراعاتها واعتمادها عند النظر في تذييل حكم أجنبي بالصيغة التنفيذية، بينما الفصل 430 وما بعده يحدد الشروط الشكلية الواجب احترامها.

المطلب الثاني: هل المقتضى الجديد الذي أتت به المادة 128/2 سهل عملية تنفيذ الأحكام الأجنبية أم لا.

إن المادة 128/2 من مدونة الأسرة كما أشرنا سابقا حددت الشروط الموضوعية التي يتعين على المحكمة اعتمادها عند النظر في التذييل بالصيغة التنفيذية، وهي بهذا خرجت عن القاعدة الكلاسيكية للإسناد التي تفرض على المحاكم الأجنبية متى عرض عليها نزاع أحد طرفيه مسلما مغربيا أو كلاهما مسلمين مغاربة أن تعمل على تطبيق مقتضيات قانون الأسرة المغربي، وإلا فإنها ترفض طلب التذييل بالصيغة التنفيذية.
وعليه فإن أي سبب اعتمدته المحكمة الأجنبية أثناء نظرها في قضايا إنهاء العلاقة الزوجية بسبب الطلاق أو التطليق أو الخلع أو الفسخ فإنه يكون مقبولا وتبعا لذلك يجعل الحكم الأجنبي قابلا للتنفيذ على الرغم من أن المحكمة الأجنبية أثناء مناقشتها ومعالجة حيثياتها لم تشر إلى قانون الأسرة المغربي.
إن هذا التعديل الذي أتت به مدونة الأسرة جاء نتيجة للارتفاع المهول الذي عرفه الزواج المختلط والمشاكل التي أصبحت تتخبط فيها جاليتنا المقيمة بالخارج وانعكاساتها السلبية على الأوضاع الاجتماعية لأفراد جاليتنا الذين يحملون جنسية مزدوجة وفي هاته الحالة الأخيرة يطرح مشكل التنازع الإيجابي بين قوانين الدولتين التي يحمل الفرد جنسيتها في آن واحد فعلى سبيل المثال الشخص الذي يحمل جنسية إسبانية ومغربية ويرفع دعوى إنهاء العلاقة الزوجية أمام القضاء الإسباني يطبق عليه القانون الإسباني رغم أن قاعدة الإسناد المغربية تقضي بتطبيق القانون الوطني على المغاربة المسلمين، وأساس تطبيق القانون الإسباني من طرف القضاء الإسباني هو أن قانون الجنسية الإسباني ينص على أن الجنسية الإسبانية تفضل على الجنسية الأجنبية[8].
ففي ضوء مقتضيات قانون الأحوال الشخصية الملغى، فإنه لا يمكن تذييل حكم أجنبي لم يراعي مقتضيات قانون الأحوال الشخصية المغربي بخلاف الوضع الحالي وفق المادة 128/2 فإن القاضي المغربي يراقب مضمون الحكم الأجنبي "بسبب إنهاء العلاقة الزوجية" هل منصوص عليها ضمن مقتضيات قانون الأسرة المغربي أم لا.




خـــلاصة
إن هذا المقتضى الجديد الذي أتت به مدونة الأسرة في المادة 128/2 هو تطور في قاعدة الإسناد المغربية، ونرى ضرورة تطبيق مفهوم النظام العام تماشيا مع روح المادة 128/2 من مدونة الأسرة وغاية المشرع الهادفة إلى تبسيط الإجراءات لجاليتنا المغربية المقيمة بالخارج.

والله ولي التوفيق



 




[1] - سفيان ادريوش مقال تحت عنوان " كيف نقرأ مقتضيات تنفيذ الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية على ضوء المادة 128 من مدونة ألأسرة مجلة القضاء والقانون ع 152، ص 100.
[2] - د. موسى عبود، الوجيز في القانون الدولي الخاص المغربي الطبعة الأولى، أكتوبر 1994، ص337.
[3] - الاعتراف والقوة التنفيذية يشكلان الفعالية الدولية للقرار الأجنبي.
[4] - هي شروط السلامة الدولة، وبالرغم من اللفظ المستعمل فإن الشروط التي تحكمها هي تلك التي يحددها قانون الدولة التي سينفذ الحكم فوق إقليمها، إذن هي شروط مرتبطة بدولة محددة إلا في حالة وجود اتفاقية تنظم تلك الشروط بشكل متبادل بين الدولة الطالبة والدولة المطلوبة.
[5] - موسى عبود، مرجع سابق، ص 339 و 340.
[6] - المسعودي العياشي: محاضرات في القانون الدولي الخاص، ص 267، وكذلك موسى عبود ص 194، مرجع سابق.
[7] - مفهوم النظام العام: إن النظام العام مفهوم فضفاض وواسع يمكن تحديده انطلاقا من مقومات الدولة السياسة والاجتماعية والاقتصادية والدينية، وهو مفهوم يتغير بتغير المجمتعات بل داخل نفس المجتمع من منطقة لأخرى، أو من من زمن لآخر.
[8] - ذ. سفيان ادريوش، مرجع سابق، ص 106.

                                                               المجلة الإلكترونية لندوات محاكم فاس - العدد 7 أكتوبر 2008 

المقاربة التربوية لقانون المسطرة الجنائية في معالجة قضايا الأحداث - ذ. حميد الوالي








عرض السيد حميد الوالي
 رئيس غرفة بمحكمة الاستئناف بفاس


الطفل أب الرجل: هذه العبارة تعني أن الطفل الحالي هو رجل المستقبل، فلا يكون الرجل مكتمل النمو وسوي الشخصية إلا بما يكتسبه في صغره من معارف علمية ورصيد تربوي وأخلاقي تجعل منه فردا نافعا في المجتمع.
 وإذا كانت الاستثمارات الاقتصادية ذات أهمية في نمو الأمم إلا أن أهم رأسمال أثبت نجاعته وخاصة في الوقت الحاضر – عصر العلوم والتقنيات والتواصل- هو الرأسمال البشري الذي يتوفر على مؤهلات علمية وتربوية سليمة. ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي يجب أن يكون في الإنسان وخاصة في الدول التي لا تتوفر على موارد طبيعية فهو استثمار في المستقبل. 
وإذا كان القضاء بصفة عامة يعتبر دعامة من دعامات التنمية الاقتصادية والبشرية فان قضاء الأحداث جزء لا يتجزأ من عملية التنمية الوطنية لكل بلد بإقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها عدد 40-33 المؤرخ في 29 نوفمبر عام 1985 الذي حدد القواعد الدنيا لإدارة شؤون قضاء الأحداث المعروفة بقواعد بكين.
 ومن ثمة فانه من واجب كل دولة نامية كما هو الشأن بالنسبة للمغرب أن تضع من ضمن أولوياتها قضاء الأحداث. ولتحقيق هذه التنمية عليها أن تعتبر ذلك استثمارا في المستقبل كما قلت، لأن مردوده بالمفهوم المادي النفعي وإن كان لا يظهر على الأمد المنظور، فانه ولا شك سيكون له اثر كبير على الأمدين المتوسط والطويل وذلك فضلا عما ينطوي عليه من بعد إنساني ينم عن سمو في الرؤيا تجاه المجتمع بصفة عامة والأطفال بصفة خاصة باعتبارهم من ذوي الحاجات الخاصة.
وإذا كان المهتمون بالسياسة أنشؤوا جمعية سموها -2007 دبا- فإنني أقول الطفل دبا. فقد أضاعت الدولة سنوات عديدة بعدم إبلائها الاهتمام اللازم للنهوض بأوضاع الطفولة بعدم تبني سياسة واضحة و ناجعة لتهيئ رجل المستقبل، إلا أنه من حسن الحظ فقد أبرز صاحب الجلالة خلال السنين الأخيرة الإرادة القوية للنهوض بأوضاع الشباب وخاصة المودعين منهم بالمراكز الإصلاحية ومراكز حماية الطفولة من خلال زياراته المتكررة لمراكز الإصلاح وحرصه الشخصي على تتبع أحوالهم فضلا عن الدعم الكبير الذي تقدمه مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء. كل ذلك أيقظ الهمم لرد الاعتبار لتلك المؤسسات وتدعيم كفاءة العاملين بها مما أدى إلى تحسن ملحوظ لظروف إقامة الأحداث بمختلف المؤسسات. وتبلورت هذه السياسة بوضع اللبنات والسكة التي يمكن وضع القطار عليها من خلال تبني مجموعة من التشريعات التي راعى المشرع عند سنها ملاءمتها مع الصكوك الدولية المهتمة بالموضوع.
ومن خلال الإطلاع على الصكوك المذكورة يظهر بشكل واضح أنها اهتمت بالطفل اهتماما بالغا، وذلك بتبني مجموعة من التدابير القبلية لضمان نموه السليم كوسيلة وقائية، وهذه التدابير تهم مختلف مكونات الدولة والمجتمع وعلى رأسها الأسرة التي هي نواة إعداد وتربية الطفل. كما اهتمت بالجانب العلاجي إذا ما تعرض الطفل للانحراف أو ظهرت عليه بوادره. والجانب الوقائي هو موضوع طويل وعريض وليس موضوع مداخلتي، أما الجانب العلاجي فهو الذي أتناوله من خلال المقاربة التربوية لقانون المسطرة الجنائية لمعالجة قضايا الأحداث والتي استمدت مرجعيتها من مجموعة من الصكوك الدولية وأهمها:
§        إعلان الأمم المتّحدة لحقوق الطّفل لسنة 1959
§        القواعد النموذجية الدنيا لإدارة شؤون قضاء الأحداث لسنة 1985 (قواعد بكين)
§        اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطّفل لسنة 1989ـ1990
§        مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية لمنع جنوح الأحداث لسنة 1990 (مبادئ الرياض)
§        قواعد الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم لسنة 1990
ومن خلال التجربة الفرنسية فقانون المسطرة الجنائية عالج موضوع الحدث الجانح والحدث في وضعية قد تؤدي به للانحراف وهو ما عبر عنه بالحدث في وضعية صعبة.
وسأحاول تناول الموضوع وفق المسار الطبيعي الذي تسلكه أية قضية، ابتداء من حصول الواقعة المحركة للمسطرة وانتهاء بإغلاق الملف بصفة نهائية. وهذه المنهجية هي نفسها التي تبنتها قواعد بكين.
وقبل تحليل مختلف هذه المراحل والتطرق لإجراءاتها القانونية ينبغي تحديد:
0    أهداف قضاء الأحداث
0    المقصود بالحدث أو المجرم الحدث
0    مجال قضاء الأحداث

أولا: أهداف قضاء الأحداث
لقد وضع المشرع من أولوياته حماية الحدث من الانحراف كوسيلة وقائية، وتأهيله وإعادة إدماجه إذا ما تعرض للانحراف، وذلك مراعاة لمصلحته الفضلى المتمثلة في ضمان نموه السليم في المجتمع ليكون عضوا صالحا فيه.
ثانيا: سن الرشد الجنائي
تمشيا مع القاعدة رقم 4-1 من قواعد بكين، التي توصي بعدم تحديد سن المسؤولية الجنائية على نحو مفرط في الانخفاض، رفع قانون المسطرة الجنائية الجديد سن الرشد الجنائي إلى ثمانية عشر سنة ميلادية كاملة. وما دام أن مناط المسؤولية الجنائية هو التمييز فإن المشرع اعتبر من هو دون اثني عشر سنة منعـدم التميـيـز، وقرر انعدام مسؤوليته الجنائية إلا أن هذا لا يعني عدم إمكانية محاكمته واتخاذ بعض التدابير في حقه، فما دام أن الهدف كما سبقت الإشارة إلى ذلك هو الوقاية والحماية والتهذيب فإن المشرع سمح باتخاذ بعض التدابير في حقه ) المادتان 468 و480 ( ومنع إيداعه بالسجن ) المادة473 (. أما الأحداث الذين يتجاوز سنهم 12 سنة وإلـى غـاية 18 سنة كاملة، فقد اعتبرهم ناقصي المسؤولية الجنائية لعدم اكتمال تمييزهم ( المادة 458 )، مما يفيد أن المشرع اعتبر مبدأ التدرج في السن أساسا للمسؤولية الجنائية. 
ثالثا: مجال قضاء الأحداث
استعمل قانون المسطرة الجنائية كلمة الحدث للدلالة على الأشخاص الذين تسري عليهم القواعد الخاصة بالأحداث. والحدث كان يعني في ظل قانون المسطرة الجنائية القديم كل شخص ارتكب جرما ولم يبلغ سن الرشد الجنائي، إلا أن هذا المفهوم توسع في القانون الجديد ليشمل ضحايا الجنايات والجنح دون 18 سنة و الأطفال في وضعية صعبة دون 16 سنة.
مرحلة ما قبل المحاكمة( البحث التمهيدي )
على مستوى البحث التمهيدي جعل المشرع من ضمن أعضاء الشرطة القضائية ضباطا مكلفين بالأحداث (المادة 19) وأسند لهم اختصاص البحث معهم (المادة 460). إلا أن السؤال الذي يطرح هنا هو هل تتوفر المؤهلات البشرية للقيام بهذا الدور وهل تغطي كافة تراب المملكة بحيث تستطيع القيام بواجبها مع كافة الأحداث الذين يخالفون القانون؟ فحتى يتحقق الدور التربوي المنشود يجب أن تولى هذه النقطة العناية الكافية وأعتقد أن الواقع لازال بعيدا عن تحقيق أهداف المشرع من سن هذا المقتضى سواء من حيث عدد الضباط المكلفين بالأحداث أو من حيث التكوين الخاص الذي يجب أن يوفر لهم. وعلى هذا المستوى أي مستوى البحث التمهيدي تم إقرار مجموعة من الحقوق للحدث ذات بعد تربوي.
حقوق الحدث أثناء البحث التمهيدي
لقد نصت المادة 460 من قانون المسطرة الجنائية على مجموعة من الحقوق للحدث وهي كالتالي:
·        الاحتفاظ بالحدث المنسوب إليه الجرائم في مكان مخصص للأحداث لمدة لا تتجاوز المدة المحددة للحراسة النظرية
·        اتخاذ كافة التدابير لمنع إيذاء الحدث
·        إشعار أولياء الحدث أو المقدم عليه أو وصيه أو كافله أو حاضنه أو المؤسسة المعهود إليها برعايته بالإجراء المتخذ في حقه.
·        إمكانية الاتصال بالحدث من طرف محاميه أو من طرف الأشخاص الواردين في الفقرة الثانية عند اتخاذ تدبيري الاحتفاظ أو الحراسة المؤقتة.
وسيتم تحليل هذه الحقوق كالتالي:
                       أ‌-          الاحتفاظ بالحدث (المادة 460)
 أول ما يثير الانتباه هنا هو أن المشرع استعمل كلمة الاحتفاظ بالحدث واقتبسها من القانون الفرنسي (الفصل 4 من القانون رقم 45.174 الصادر بتاريخ 2/2/1945 الخاص بالأطفال الجانحين). مما يفيد أن الحدث لا يمكن وضعه تحت الحراسة النظرية التي لها شروط تختلف عن الاحتفاظ أهمها عدم وضع الحدث في الزنازن أو غرف الأمن المستعملة للرشداء نظرا لما تخلفه من آثار نفسية سلبية، بحيث يجب أن تخصص أماكن خاصة بالأحداث بمصالح الشرطة القضائية. وقد اعتمد المشرع بالنسبة لمدة الاحتفاظ نفس المدة المحددة للحراسة. وهذا الإجراء جعله المشرع استثنائيا.
وإمعانا في مراعاة لخصوصية الحدث فإن المشرع تبنى إجراء آخر يمكن الاستعاضة به عن الاحتفاظ بالحدث خلال مرحلة البحث التمهيدي بمصلحة الشرطة القضائية، وهو إمكانية إخضاع الحدث لنظام الحراسة المؤقتة المنصوص عليه في المادة 471 من قانون المسطرة الجنائية.
هذا المقتضى من أهم مستجدات قانون المسطرة الجنائية الجديد ولأول مرة يستعمل هذا التدبير في مرحلة البحث التمهيدي بأمر من النيابة العامة، إذا كانت ضرورة البحث أو سلامة الحدث تقتضي ذلك، لمدة لا تتجاوز 15 يوما. ويلاحظ بأن المشرع تبنى هذا الإجراء بقصد تربوي ووقائي للحد من الآثار النفسية التي قد تضر بالحدث إذا ما بقي بمخفر الشرطة.ومع الأسف فإن تفعيل هذا المقتضى ضعيف جدا إن لم أقل منعدم فشخصيا لم أقف منذ دخول قانون المسطرة الجنائية الجديد حيز التنفيذ على تطبيق لهذا المقتضى.

                     ب‌-        عدم إيذاء الحدث
أوجب المشرع على ضابط الشرطة القضية عند أول اتصال بالحدث وخاصة إذا قرر الاحتفاظ به، أن يتخذ التدابير اللازمة لتفادي إيذائه جسمانيا أو نفسيا.وهذا المقتضى يستلزم  الامتناع عن  استعمال العنف البدني وعن استعمال التعبير المهينة، أو حرمانه من الغذاء أو إمكانية الاتصال بأي شيء قد يعرض صحته للخطر إلى غير ذلك مما يمكن أن يؤدي الحدث.
                     ت‌-        إشعار أولياء الحدث
أوجبت الفقرة 3 من المادة 460 من ق المسطرة الجنائية على ضابط الشرطة القضائية أن يقوم بإشعار ولي الحدث أو المقدم عليه أو وصيه أو كافله أو حاضنه أو الشخص أو المؤسسة المعهود إليها برعايته بوضعية الحدث والإجراء المتخذ في حقه، ويجب أن يكون هذا الإشعار فور اتخاذ الإجراء.
و تكمن أهمية هذا الإجراء في إشراك أولياء الحدث في المسطرة التي ستجري مع الحدث وخاصة عند اتخاذ بعض التدابير التي يستوجب نجاحها مساعدة الأولياء.
                     ث‌-        اتصال الحدث بمحاميه وأوليائه
من الحقوق التي أقرها قانون المسطرة الجنائية هو حق الحدث في الاتصال بأوليائه ومحاميه في مرحلة البحث التمهيدي، إذا ما اتخذ في حقه إجراء الحراسة المؤقتة أو الاحتفاظ بمصلحة الشرطة القضائية. وممارسة هذا الحق تتم بناء على إذن من النيابة العامة تحت مراقبة ضابط الشرطة القضائية. وحبذا لو أن المشرع أوجب توفير محام للاتصال بالحدث في هذه المرحلة ولم يكتف بجعله حقا للحدث فقط.
المحاكمــــــة
من المبادئ الأســــاسية التي أقرتها قواعد بـكـيـن هي التحــويـل إلى خارج النظام القضـائي ( القاعدة رقم 11 ) واتخاذ تدابير لمعاملتهم دون اللجوء إلى الإجراءات القضائيـة ) المادة 40 من اتفاقية حقوق الطفل (. و قد كرس قانون المسطرة الجنائية هذه القاعدة في المادة 461 في فقرتها الثالثة حيث أعطت الصلاحية للنيابة العامة عند ارتكاب الحدث لجنحة، تطبيق مسطرة الصلح. كما أعطت نفس المادة الصلاحية للنيابة العامة لأن تلتمس من المحكمة وقف سير الدعوى العمومية أثناء سريانها في حالة سحب الشكاية أو تنازل المتضرر عن شكايته. ولتفعيل هذا المبدأ عمليا ينبغي لنواب وكيل الملك القيام بدور إيجابي للوصول إلى الصلح لتجنيب الحدث دوامة المحاكمة الجنائية لما تخلفه من آثار نفسية سلبية عليه.
الجهة المختصة بالمتابعة
إذا لم تتم معالجة قضية الحدث بطريقة الصلح فإنه يتم تحريك المتابعة في حقه
وقد أسند المشرع هذا الاختصاص بصفة حصرية لجهاز قضائي هو جهاز النيابة العامة لتستعمل سلطتها قي الملاءمة.
وفي إطار التخصص نصت المادة 467 على أنه يكلف وكيل الملك بصفة خاصة قاضيا أو عدة قضاة من النيابة العامة بالقضايا المتعلقة بالأحداث. نفس هذا المقتضى تبناه المشرع على صعيد محاكم الاستئناف. وتجدر الإشارة هنا إلى أن النيابة العامة تكتفي بالمتابعة وإحالة القضية عــلى قاضي الأحداث أمام المحكمة الابتدائية أو المستشار المكلف بالأحداث بمحكمة الاستئناف ويمنع عليها أن تعتقل الحدث أو أن تتخذ أي تدبير في حقه.
الهيئات المنوط بها النظر في قضايا الأحداث
تحث الفقرة 3 من المادة 40 من اتفاقية حقوق الطفل الدول على تبني مؤسسات وسلطات مختصة للنظر في قضايا الأحداث. وتؤكد القاعدة رقم 14 مـن قـواعد الأمم المتحدة الـنـمـوذجـيــة الدنـيـا لإدارة شــؤون قضـايا الأحـداث ( قـواعد بكين 29/11/1985) هذا الاختيار.  وقد أوصت اللجنة التابعة للأمم المتحدة الحكومة المغربية بإنشاء قضاء متخصص.
ومن ثمة نص قانون المسطرة الجنائية على هيئات قضائية مكلفة بالأحداث أمام كل من المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف. وهذه الهيئات وفق ما حددتها المادة 462 من قانون المسطرة الجنائية هي كالتالي:
I- بالنسبة للمحاكم الابتدائية
1.    قـــاضي الأحداث
2.    غرفة الأحداث
II- بالنسبة لمحكمة الاستئناف
1.    المستشار المكلف بالأحداث
2.     الغرفة الجنحية للأحداث
3.     الغرفة الجنحية الاستئنافية للأحداث
4.     غرفة الجنايات للأحداث
5.     غرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث
ويرأس هذه الهيئات قاضي الأحداث بالمحكمة الابتدائية والمستشار المكلف بالأحداث بمحكمة الاستئناف تحت طائلة البطلان.
وهنا لابد من القول بأن تكوين قضاة الأحداث والمستشارين المكلفين بالأحدث يجب أن يكون تكوينا خاصا لأنه هو اللبنة الأولى في عملية إصلاح الحدث وتهذيبه وإلى جانب التكوين يجب أن تسود روح التواصل والتعاون بينهم وبين مختلف الفاعلين والمتدخلين ) نيابة عامة ـ شرطة ـ درك مؤسسات تربوية ـ مندوبين ـ باحثين اجتماعيين ـ فضلا عن الجمعيات ذات الاهتمام بقضايا الأحداث....الخ (.
كل هذا يدعوني للحديث عن المبادئ التوجيهية لإدارة شؤون قضاء الأحداث.
  المبادئ التوجيهية لإدارة شؤون قضاء الأحداث.
من أهم هذه المبادئ مراعاة شروط المحاكمة العادلة سواء من حيث الإجراءات أو حقوق الدفاع،  وقد وفرت المسطرة الجنائية هذه الشروط، إلا أن ما يهمنا منها في هذا المجال ما له علاقة بقضاء الأحداث ومن أهم المبادئ التي تمس هذا الجانب من القضاء ما يلي:
·       مبدأ التناسب بين خطورة الجريمة وظروف الحدث وحاجاته الشخصية ومتطلبات أو احتياجات المجتمع.
·        عدم اللجوء إلى العقوبات الحبسية إلا من أجل الأفعال الخطيرة
·        مراعاة مصلحة الحدث عند اتخاذ التدابير.
1.    مبدأ التناسب بين خطورة الجريمة وظروف الحدث وحاجاته الشخصية ومتطلبات أو احتياجات المجتمع
هذا المبدأ جاء في القاعدة رقم 17 من قواعد بكين.
و يجد هذا المبدأ تطبيقه في قانون المسطرة الجنائية من خلال التدابير التي نص عليها سواء في إطار نظام الحراسة المؤقتة ) المادة 471 من ق م ج ( أو تدابير الحماية أو التهذيب الواردة بالمادة 481 من ق م ج. بحيث أتى المشرع بمجموعة من التدابير الرائدة التي يمكن استعمالها لمعالجة كل حالة على حدة. وأملي هنا هو أن تبادر الدولة لإنشاء المؤسسات التي تمكن من وضع هذه التدابير موضع التطبيق.


2.    عدم اللجوء إلى العقوبات الحبسية إلا من أجل الأفعال الخطيرة القاعدة 17 كذلك
هذا المبدأ أخذ به المشرع المغربي في المواد 473، 482 و493. ومن خلال استقراء هذه المواد يتبين أنه منع إيداع الحدث دون 12 سنة السجن ولو بصفة مؤقتة، ومهما كان نوع الجريمة. أما الأحداث من 12 سنة إلى 18 سنة فإنه جعل إيداعهم بالسجن استثناء فقط، بحيث لم يسمح به إلا إذا ظهر أنه ضروري أو استحال اتخاذ أي تدبير آخر. وإذا ما تم اللجوء إلى الإيداع بالسجن فإنه يجب أن يحتفظ بالحدث في جناح خاص أو على الأقل معزول عن أماكن وضع الرشداء مع بقائه على انفراد ليلا في حدود الإمكان.
بالإضافة إلى ذلك تبنى المشرع نظام العقوبات المخففة بحيث تخفض العقوبة بالنسبة للأحداث سواء في حدها الأدنى أو الأقصى إلى النصف. وإذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي الإعدام أو السجن المؤبد أو السجن لمدة 30 سنة فإنها تستبدل بعقوبة تتراوح بين 10 سنوات و15 سنة. وما دام أن اللجوء إلى العقوبة هو استثناء فإنه يجب أن يكون ذلك بقرار معلل يبررها.
ويمكن للمحكمة أن تمزج بين تدابير الحماية والتهذيب المنصوص عليها في المادة 481 من قانون المسطرة الجنائية وبين العقوبات الحبسية أو السجنية في آن واحد بحيث يكمل هذه بتلك وفي هذه الحالة تنفذ العقوبة أولا ثم ينفذ بعدها التدبير.  
وفى إطار القانون المقارن لابد من الإشارة إلى أن القانون البلجيكي لا يقرر بالنسبة للأحداث دون 18 سنة سوى تدابير الحماية والتهذيب ويمنع الحكم بالعقوبة الحبسية مهما كان نوع الجريمة وخطورتها. وحبذا لو أن المشرع تبنى نفس المقتضيات.
3.    مراعاة مصلحة الحدث عند اتخاذ التدابير
هذا المبدأ منصوص عليه في القــاعدة 17 أيضا من قواعد بكين، وقد جاء النص عليه في المـــادة 474 في فقرتها الرابعة من قانون المســطـرة الجنائية المغربي، حيث نصت صراحة على أنه «  يمكن لقاضي الأحداث، رعيا لمصلحة الحدث، ألا يأمر بأي تدبير من التدابير المنصوص عليها في الفقرتين الأولى والثانية من نفس المادة أو لا يتخذ سوى تدبير واحد منها ».
هذه المبادئ على درجة كبيرة من الأهمية، وفي الواقع تعكس عمل القاضي اليومي في تصريفه لأشغاله. وإذا كان المشرع قد وضع بعض الآليات التي تساعد القاضي في بلوغ الهدف الذي حددته الاتفاقيات الدولية وإرادة الدولة من خلال سياستها الجنائية في مجال الأحداث، إلا أن بلوغ هذا الهدف لا يمكن تحقيقه إلا بقضاة متمرسين يحسنون التعامل مع قضايا الأحداث وأن يكونوا متشبعين بالمقاربة التربوية التي ينشدها المشرع من وضع المقتضيات المتعلقة بالأحداث. وهنا يمكن القول  بأن العمل القضائي المغربي لم يصل إلى المستوى الذي يمكن من تحقيق الهدف  المنشود.  وبطبيعة الحال إذا أراد أن يحقق هذا الهدف يجب أن تتاح له مجموعة من الإمكانيات والميكانيزمات التي تساعده على ذلك.
وهنا أود أن أسوق بعض مظاهر التجربة الفرنسية من الناحية العملية، وما اللجوء إلى التجربة الفرنسية إلا لأن القانون الفرنسي هو أحد القوانين التي استلهم منها القانون المغربي الكثير من المقتضيات في مجال قضاء الأحداث سواء من حيث الإجراءات أو التدابير فضلا عن تجربته الرائدة في إدارة شؤون قضاء الأحداث. فقد سمحت لي الفرصة بالإطلاع عليه  عن قرب ولمست بأن هم قضاة الأحداث الأساسي هو الجانب التربوي وأن الجانب العقابي لا يلجأ إليه إلا ناذرا وكآخر حل ممكن. 
فبمجرد ما تقرر النيابة العامة متابعة الحدث تحال القضية على قاضي الأحداث الذي يأمر بإجراء بحث وهنا تجدر الإشارة إلى أنه توجد إلى جانب كـل محكمـة للأطفـال ما يسمـى بالمصلحـة التربويـة ( S. E. A. T ) (Service éducatif auprès du tribunal)  وهو جهاز يتكون من مربين يعملون بجانب قضاة الأحداث ويكون مقر عملهم في أغلب الأحيان بالمحكمة، بحيث يكون أول لقاء للحدث مع المحكمة هو المربي. وهذا الأمر له أبعاد تربوية كبيرة بالنسبة للحدث حيث يطمئن من الناحية النفسية عندما يجد أمامه شخصا متخصصا يتعامل معه بقواعد تربوية، ثم يهيئه لمقابلة قاضي الأحداث، ومن جهة أخرى يقوم المربي بدراسة حالة الحدث من الناحية الاجتماعية والسلوكية، ويقدم للقاضي تقريرا مستعجلا عن الحدث- غالبا ما يكون شفويا - ويقترح عليه التدبير المناسب لحالة الحدث. وهذا الإجراء له أهمية كبيرة خاصة إذا كان يظهر منذ البداية أن الفعل المنسوب للحدث خطير وقد يؤدي به إلى السجن.
هذا الجهاز لا وجود له في القانون المغربي بالرغم من أهميته فالقضاة الممارسون وخاصة على مستوى قاضي التحقيق الذي تحال عليه قضايا خطيرة يجد نفسه في حيرة من أمره ولا يستطيع اتخاذ القرار المناسب عندما يحال عليه الحدث في حالة التلبس بحيث لا يتعامل في هذا الوقت بالذات إلا مع خطورة الجريمة وأثرها على المجتمع عند اتخاذ التدابير، دون أن يولي أي اهتمام لشخصية الحدث. وهذا هو ما يفسر ارتفاع حالات الاعتقال الاحتياطي وتدابير الإيداع بمراكز الملاحظة في قضايا الأحداث، وأنا شخصيا سأكون سعيدا لو وجدت بجانبي من يساعدني في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب في حق الأحداث المقدمين أمامي.
وبالرجوع إلى قانون المسطرة الجنائية الجديد يتبين أن المشرع أشار إلى هذا الجهاز بطريقة ضمنية عند نصه في المادة 474 على أن قاضي الأحداث يجري بنفسه أو يأمر بإجراء بحث لتحديد التدابير الواجب اتخاذها لضمان حماية الحدث وإنقاذه.  فهذا الإجراء يختلف عن البحث الاجتماعي الذي يساعد القاضي فيما بعد في اتخاذ التدبير المناسب.
وأرجو أن يكون المشرع قصد من خلال هذا النص ما فهمته فعلا، ومن ثمة يسارع في إحداث جهاز للمربين تابع للمحكمة يساعد القاضي على اتخاذ التدابير المؤقتة عند إحالة القضية عليه أول الأمر ريثما تتضح له الصورة أكثر بعد إجراء البحث الاجتماعي وتلقي التقارير الأخرى الخاصة بالحدث ودراسة القضية من مختلف جوانبها.
بعد تقديم التقرير إلى القاضي يكون هذا الأخير قد درس القضية من الناحية الواقعية والقانونية من خلال محضر الضابطة القضائية وتتم محاكمة الحدث على ضوء النصوص القانونية المحضة. وهنا لا حاجة للتذكير بالإجراءات المسطرية خلال المحاكمة لأنها في الواقع لا تختلف اختلافا كثيرا  عما نعرفه في قانونا مع الإشارة  فقط إلى أنه لا يتم إعطاء أهمية كبيرة لمبدأ الإدانة والبراءة، ففي أغلب الحالات لا تطرح مشاكل من هذا النوع ونجد الحدث يعترف بسهولة بالأفعال المنسوبة له ولا تثار هذه الإشكالية إلا في بعض القضايا الناذرة والخطيرة جدا. ومن ثمة فإن هم القاضي الأساسي يكون هو الجانب العلاجي أو الإصلاحي للحدث.
وهنا يضع القاضي أمامه هدفا يريد تحقيقه. فما دام أن الحدث ارتكب جرما فهو خرج عن قواعد السلوك المتعارف عليها اجتماعيا أي أصبح منحرفا وما دام أنه كذلك فإن هدفه يكون هو تقويم انحرافه وبذلك فإنه من الواجب اللجوء إلى مختلف الأبحاث التي تجسد له الوضعية الحقيقة للطفل اجتماعيا وتربويا ونفسيا وصحيا، بمعنى أنه يدرس الحدث من مختلف الجوانب حتى يحدد أسباب انحرافه ويضع العلاج المناسب.
 ومعرفة هذه الأمور لا يمكن للقاضي أن يقوم بها بنفسه، لأنها تهم اختصاصات مختلفة،  فهي تهم الطبيب النفسي وعالم الاجتماع والمربي، وهؤلاء يعملون كل في مجاله بحيث تتم دراسة الحدث في محيطه الأسري والمدرسي والمجتمعي، كما تتم دراسة حالته النفسية والاقتصادية وعلى ضوء مختلف الاستنتاجات تتبلور الاقتراحات التي تقدم للقاضي عند صياغة التقرير. وعلى ضوء هذا التقرير تعقد جلسة ثانية يحضرها الحدث وأولياؤه ومربوه ودفاعه فتتم دراسة القضية من الناحية التربوية. ويعرض على كل الأطراف  مضمون التقرير ويتلقى القاضي ملاحظاتهم وملتمساتهم ثم يتخذ التدبير المناسب الذي من شأنه إعادة تأهيل الحدث وإدماجه في المجتمع، كما يتخذ تدابير موازية  من شأنها أن تقضي على الأسباب والدوافع التي جعلت الحدث ينحرف. وهنا يمتد عمل القاضي ليس للحدث فحسب بل لكل الفاعلين والمؤثرين في سلوك الحدث فالقاضي قد يتخذ تدابير موازية في مواجهة أولياء الحدث تهم محيطه المدرسي أو محيطه الاجتماعي، كأن يأمر الأولياء مثلا بتكثيف مراقبة الحدث من حيث أوقات الدخول والخروج من وإلى المنزل، أو يمنع الحدث من الاتصال ببعض أصدقائه أو بالتدخل من الناحية الاقتصادية بتخصيص مساعدات مادية للأبوين أو غير ذلك من التدابير.
وفي بعض الحالات نجد أن قاضي الأحداث يفرض تدابير ليست له الآليات المناسبة لفرضها ولكنه يحاول أن يضعها موضع التطبيق عن طريق التوعية. فنجد القاضي عند إصدار القرار الذي يفرض بمقتضاه التدابير محاورا أكثر منه مقررا. فهو يعتمد على قوة الإقناع، ولذلك فهو يتكلم أكثر مما يتكلم الأطراف في القضية،  إلا أنه في نفس الوقت يحاول الحفاظ على مظهر القاضي من حيث بيان إلزامية تنفيذ قراراته ويترك للأجهزة التربوية متابعة عمله هذا في حياة الحدث اليومية وفي محيطه الاجتماعي.
مرحلة التتبع والتنفيذ
المهم في القرارات التي يتخذها القاضي هو أنها لا تنهي الملف وتطويه بمجرد صدور القرار، بل على العكس من ذلك يبقى الملف مفتوحا ويتتبع القاضي مدى تنفيذ التدابير المتخذة ومدى فعاليتها في تقويم الحدث. فهذا التتبع هو الذي نفتقده في حياتنا العملية كقضاة، حيث تنتهي صلة القاضي بالملف بمجرد إصداره لقراره.  فالغاية كما تمت الإشارة إلى ذلك سابقا هي تقويم الحدث وتأهيله لإعادة إدماجه. ولا تنتهي مهمة قاضي الأحداث إلا ببلوغ هذا الهدف أو بلوغ الحدث سن الرشد الجنائي. ولهذا فإنه بعد صدور القرار يكون من واجب المربي أو المصالح التي عهد إليها بالحدث أن ترفع تقارير دورية إلى القاضي ليتمكن من معرفة التقدم الحاصل في وضعية الحدث، فهذا التتبع هو الذي يضمن فعالية التدابير المتخذة.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنه ما دام أن العمل ينصب على الإنسان وعلى محيطه،  فإن التدابير المتخذة تكون نسبية وقد يظهر فشلها منذ أول وهلة بعد وضعها موضع التطبيق. ولهذا فإن القاضي يتدخل لتغيير التدبير بتدبير آخر قد يظهر أكثر ملاءمة إلى أن يصل إلى الغاية المنشودة، والتي يكون القاضي قد حددها منذ أول وهلة فهناك عملية جدلية بين القاضي والمربين موضوعها الحدث ومحيطه.


وهنا يمكن تشبيه عمل القاضي بعمل المهندس في الترميم فهو بعدما يحدد الهدف وهو إعادة البناية إلى ما كانت عليه من قبل. يضع خطة لذلك أي التصميم المناسب الذي يراه حسب المعطيات المتوفرة له من خلال الدراسات والأبحاث المنجزة من طرف ذوي الخبرة ( مربين – أطباء نفسيين... الخ ). ثم يعهد بتنفيذه للتقني في البناء - أقصد به هنا المربي- الذي يشرع في العمل على الواقع. وكلما وجد هذا التقني مشكلا في التصميم لعيب فيه، أو تبين أنه غير ناجع إلا وأحاط به علم المهندس واقترح عليه الحل الذي يراه مناسبا بحكم تجربته وخبرته. وقد يتبناه المهندس إذا كان متناسبا مع أحوال المهنة التي تعلمها أو يناقشه فيه ليتلاءم مع القواعد الهندسية. ويتم الاستمرار في العمل بهذه الطريقة إلى النهاية ولكن النتيجة لا تكون  100% لأنه من غير الممكن أن ترجع البناية إلى الصورة التي كانت عليها من قبل  بجميع المواصفات، وإنما تقترب من تلك الصورة . فهذا المثال يبين التفاعل القائم بين القاضي والمربي الذي يقوم بتنفيذ التدابير المتخذة لتقويم الحدث وإعادة تأهيله.
 وحتى بعد الوصول إلى الغاية المنشودة فإنه يتعين مواصلة التتبع لتفادي كل انتكاسة. ولا يمكن تصور تحقيق نتيجة إيجابية إلا بتأهيل القاضي مهنيا وكذلك تأهيل الأجهزة المكلفة بتنفيذ قراراته.
 فهذا العمل المستوحى من القانون والعمل القضائي الفرنسيين يمكن تطبيقه في ظل قانون المسطرة الجنائية الجديد لأنه وضع الآليات التي تمكن من تحقيقه.
فبالإضافة إلى مجموعة التدابير التي نص عليها المشرع كتدابير مؤقتة في إطار المادة 471 أو تدابير الحماية والتهذيب في إطار المادة 481، نص المشرع في المادة 474 على مراعاة المصلحة الفضلى للحدث والمتمثلة في تأهيله.
ولضمان السرعة والفعالية نص المشرع على أن:
·        التدابير المؤقتة تنفذ رغم كل طعن وتكون قابلة دائما للإلغاء (المادة 47(
·        إمكانية الأمر بالتنفيذ المؤقت للتدابير المتخذة في إطار المواد 480، 481 و483.
·        لا يوقف الاستئناف تنفيذ تدابير الحماية والتهذيب المنصوص عليها في المادة 481 (المادة 484 (
 ولتتبع أحوال الأحدث نص على وجوب تفقد قاضي الأحداث لهم سواء منهم المعتقلين أو المودعين بالمراكز كل شهر. 
كما أشار في باب الحرية المحروسة إلى طبيعة العمل الذي يقوم به مندوب الحرية المحروسة من حيث التتبع التربوي لتجنيب الحدث كل عود إلى الجريمة واقتراح كل تدبير معين لإعادة تربيته. وفرض على المندوب المذكور رفع تقارير بشان كل حدث على رأس كل ثلاثة أشهر.
ونصت المادة 501 على إمكانية تغيير التدبير في حق الحدث من طرف قاضي الأحداث. وبينت الفصول اللاحقة الآليات القانونية التي تمكن من ذلك.
من كل ذلك يتبين أن هناك مجموعة من المبادئ تحكم عمل القاضي وهي كالتالي:
§       مبدأ أولوية نمو الحدث داخل وسطه الطبيعي (الأسرة)
§       مراعاة مصلحة الحدث العليا المتمثلة في حمايته وتهذيبه
§       مبدأ التتبع، فالقاضي لا تنتهي مهمته بإصدار قرار وإنما بإعادة تأهيل الحدث وإدماجه في المجتمع وإخراجه من الوضعية التي كان فيها. فهذا التتبع هو الذي يحقق الفعالية ويضمن النتيجة.
§       مبدأ السلطة التقديرية للقاضي فهذا المبدأ يعني أن القاضي تكون له  سلطة تقديرية واسعة تمكنه من اتخاذ التدبير المناسب أو تغييره في أي وقت. إلا أنه يجب أن لا نفهم السلطة التقديرية الواسعة في أن القاضي بإمكانه اتخاذ ما يراهدون قيد أو شرط، وإنما يجب أن يسترشد في ممارسة هذه السلطة بالأبحاث والاقتراحات المقدمة إليه من طرف ذوي الخبرة والاختصاص.
 فالمقصود هو أنه يمارس عمله بحرية ونزاهة وفعالية لتحقيق مصلحة الحدث ومن خلاله مصلحة المجتمع.
وأختم مداخلتي بما بدأت به وهو قول رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ كُلَّ يَوْمٍ بِنِصْفِ صَاع » أو بصاع كما جاء في حديث آخر، عسى أن نستحضر في عملنا الهدف التربوي الذي أراده الشرع والقانون، فننال أجر الصدقات كثواب في الآخرة، ونفوز بالمساهمة في بناء مجتمع صالح لوطننا.
شكرا لكم على انتباهكم، والسلام عليكم ورحمته تعالى وبركاته. 
   

                                                               المجلة الإلكترونية لندوات محاكم فاس - العدد 7 أكتوبر 2008 - ص: 25-37